ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 5
الحلقة ٥ – العبّاسيّون القُدماء والجُدد ج١
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الأحد 3 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 30 / 10 / 2022م
يبدأ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة بالإشارة إلى أنها تمثل الجزء الأول من عنوان محوري واستكمالًا للإجابة بشيء من التفصيل والتبيين عن سؤال كان قد تناوله في برامجه السابقة، وهو: هل أن مرجعية النجف وحكومة المنطقة الخضراء في بغداد هم العباسيون الجدد؟
يوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي منهجيته في مقاربة هذا الموضوع، مؤكدًا أنه لا يعلم الغيب المطلق أو المقيد بالوقائع والأحداث الذي يختص به المعصومون صلوات الله عليهم، ولا يمتلك المعطيات الكاملة لسرية أمر الظهور، لكنه يستند إلى النصوص المتوفرة دون ليّ أعناق الأحاديث، معتمدًا حصرًا على المصادر الأصلية القديمة مثل كتاب الكافي، ومبتعدًا عن الروايات المتشابهة أو التي طالها التحريف.
يطرح الشيخ تساؤلًا جوهريًا حول سبب الاهتمام بمرويات أحاديث الغيبة والظهور وأحاديث العلامات، مبينًا أن معرفة شؤون الحجة بن الحسن عليه السلام هي جزء لا يتجزأ من معرفته التي تمثل حقيقة الدين والعقيدة. كما يؤكد أن هذه الأحاديث تشكل معطيات أساسية لتشخيص التكليف الشرعي وتعيين الموقف العقائدي، مستشهدًا برواية من كتاب غيبة النعماني تحدد بوصلة الشيعي في زمن الغيبة، حيث يقول الإمام الصادق صلوات الله عليه: "اذا اصبحت وامسيت يوما لا ترى فيه اماما من ال محمد فاحبب من كنت تحب وابغض من كنت تبغض ووالي من كنت توالي وانتظر الفرج صباحا ومساء".
ينتقل الشيخ إلى بُعد آخر يتمثل في أن قراءة هذه الأحاديث وتدارسها هو إدامة لذكر إمام زماننا صلوات الله عليه، وهو الموازي لذكر الله عز وجل. ويستند في ذلك إلى قاعدة كلية مفادها أن ذكر الله حسن على كل حال، موردًا رواية من كتاب علل الشرائع توضح أن علة تشريع الصلاة هي إدامة ذكر النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، وبالمثل فإن الاهتمام بالثقافة المهدوية يجدد ذكر الإمام في قلوب الشيعة وينقذهم من الغفلة.
يبرز الشيخ وظيفة التمهيد كجزء من مسؤولية المنتظرين لتأسيس تيار فكري مجتمعي يحمل هم العقيدة، مستدلًا بما ورد في كتاب تفسير الإمام الحسن العسكري من فضل الفقيه الذي ينقذ أيتام آل محمد المنقطعين عن مشاهدة إمامهم. ويربط بين هذا الواجب وبين وصية الإمام في التوقيع الشريف بالرجوع إلى رواة الحديث، مشددًا على ضرورة تفقه الشيعة لتمييز الراوي الحقيقي المتمسك بنهج العترة عن غيره.
في هذا السياق، يوجه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي نقدًا لاذعًا لنهج الحوزة الطوسية، معتبرًا أنها وقفت كقطاع طرق بين الشيعة وإمامهم، وغيَّبت الثقافة المهدوية الأصيلة، واكتفت بربط الناس بتقليد المراجع عبر شبكة من الوكلاء الذين شوهوا المعارف واحتكروا تقييم رواة الحديث تحت مسمى أهل الخبرة.
يعود الشيخ لمناقشة الاتجاه النصي المتعلق بعنوان الحلقة، مستعرضًا نصوصًا من كتاب غيبة النعماني وكتاب تفسير القمي تدل على وجود رايتين وحكمين لبني العباس. ورغم إشارته إلى تعرض بعض ألفاظ هذه الروايات لخلل وتصحيف روائي، إلا أنه يقرر أن المضمون الإجمالي المتواتر فيها يثبت حتمية وجود حكمين، أولهما للعباسيين القدماء الذي اتصف بطول المدة، وثانيهما للعباسيين الجدد.
يسلط الشيخ الضوء على الروايات الواصفة للحكم العباسي الثاني، مستشهدًا بحديث للإمام الكاظم صلوات الله عليه يصف فيه طبيعة هذا الملك قائلًا: "ملك بني العباس مكر وخداع يذهب حتى يقال لم يبقى منه شيء ثم يتجدد حتى يقال ما مر به شيء". ويسقط الشيخ هذا الوصف منهجيًا على الواقع السياسي الجاري في العراق منذ عام 2003، حيث يتسم هذا الحكم بالتجدد المستمر رغم الأزمات المتعاقبة وسيبقى كذلك إلى خروج السفياني.
يتناول الشيخ المراحل التي تسبق وترافق انهيار هذا الحكم، منطلقًا من أحاديث تشير إلى تسلسل زمني يبدأ بحكم أموي ثانٍ يسقط باختلاف أقطابه، يعقبه صعود العباسيين الجدد الذين يعيشون في عنفوان من الملك وغضاره من العيش. ويوضح أن زوال ملك هؤلاء يبدأ باختلافهم الداخلي، متزامنًا مع صراعات إقليمية بين أهل المشرق وأهل المغرب، لتكون هذه الأحداث إيذانًا بظهور رايات السفياني واليماني والخراساني، وصولًا إلى الصيحة السماوية وانطلاقة مشروع إمام زماننا صلوات الله عليه.
يختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحلقة بالتأكيد على الأهمية البالغة لهذه المضامين العقائدية واستحالة الإلمام بها في وقت يسير، معلنًا للمتلقين أن هذه المحاور ستبقى مفتوحة للاستكمال في حلقة يوم غد لإتمام بيان وتفكيك هذا الملف الدقيق.

