ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 27
الحلقة ٢٧ – المذهب الطوسي ج٨
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الإثنين 25 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 21 / 11 / 2022م
استهل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة ببيان صلتها بما سبق، موضحًا أنها الجزء الثامن من عنوان المذهب الطوسي، وتحديدًا لاستكمال الحديث عن المعلم الأول من معالم هذا المذهب وهو نقض بيعة الغدير بأسلوب شيطاني، وهو ذات الوصف الذي أطلقه إمام زماننا صلوات الله عليه على الضالين في رسالته الأولى للشيخ المفيد.
تركزت فكرة الحلقة العامة حول نقد واستعراض ما سطره الطوسي في كتابه التبيان، مبينًا كيف قام بتفريغ الآيات القرآنية من محتواها الحقيقي المرتبط بـ أمير المؤمنين صلوات الله عليه و الصديقة الكبرى صلوات الله عليها، واعتماده في تفسيرها على أقوال المخالفين، مما يمثل انحرافًا صريحًا عن عقيدة وثقافة العترة الطاهرة ومحاولة لطمس بيعة الغدير.
انتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى سورة النبأ للتدليل على هذا الانحراف، مستشهدًا بالآيات: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ}، وموضحًا أن الطوسي فسر النبأ العظيم بالقرآن أو بيوم البعث، متجاهلًا ما ورد في كتاب الكافي عن الإمام الباقر صلوات الله عليه أنه قال: "هِيَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ: مَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ آيَةٌ هِيَ أَكْبَرُ مِنِّي وَلَا لِلَّهِ مِنْ نَبَأٍ أَعْظَمُ مِنِّي"، وهو ما نؤكده في الزيارة المخصوصة: "السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبَأُ الْعَظِيمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ وَعَنْهُ يُسْأَلُونَ".
وفي ذات السياق، تناول الشيخ الآيات في سورة ص: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ}، مبينًا من خلال ما نُقل في تفسير القمي و غيبة النعماني عن الإمام الصادق صلوات الله عليه أن النبأ العظيم هنا هو أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وهو في زماننا إمام زماننا صلوات الله عليه، بينما انحدر الطوسي ليفسرها بالقرآن أو القيامة اعتمادًا على شخصيات مثل مجاهد والسدي والحسن البصري.
بعد ذلك، سلّط الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الضوء على الآية الحاكمة على الإسلام كله، وهي آية التبليغ في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}، منتقدًا إيراد الطوسي لأربعة أقوال متهافتة حول سبب نزولها، وجعله القول المروي عن الإمامين الباقر والصادق صلوات الله عليهما في ذيل القائمة، بغرض تهميش بيعة الغدير.
ولإثبات شدة هذا الانحراف، عقد الشيخ مقارنة بين كتاب التبيان وكتب تفاسير المخالفين مثل التفسير الكبير للفخر الرازي وكتاب الدر المنثور للسيوطي، مبيّنًا أن هؤلاء صرّحوا بنزول الآية في فضل أمير المؤمنين صلوات الله عليه يوم غدير خم، وكان الصحابة يقرؤونها هكذا، مما يجعل تفسير الطوسي أشد ضررًا وأكثر طمسًا لمعالم ولاية علي.
وبيّن الشيخ أن التوحيد والنبوة والقرآن لا قيمة لها دون بيعة الغدير، مستدلًا بما جاء في كتاب المؤمن عن الإمام الباقر صلوات الله عليه عن الله تعالى: "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدٌ بِمِثْلِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ"، مؤكدًا أن الفرض الأكبر هو هذه البيعة، وأن الترقي في درجات المعية المطلوبة في الزيارة الجامعة الكبيرة لا يتم إلا بهذا التسليم المطلق.
وعرج الشيخ على آية الإكمال: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، مفككًا تلاعب الطوسي النحوي حين فسّر "اليوم" بمعنى الزمان المفتوح أو "الآن"، وفسّر الإكمال بالانتصار العسكري وإتمام مناسك الحج، ملتفًا على حقيقة أن الآية نزلت لتتويج الدين بـ ولاية علي.
ثم استعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي تفسير الطوسي للآية السابعة من سورة آل عمران: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}، موضحًا أن البديهة في دين العترة تقطع بأن الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ هم النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل بيته، بينما تغافل الطوسي عن ذكرهم تمامًا، مستندًا إلى آراء المخالفين كابن عباس وعائشة ومالك.
وفي محطة أخرى من سورة ص، توقف الشيخ عند الآية: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ}، ناقلًا من تفسير البرهان قول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله: "أَنَا وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ كُنَّا فِي سُرَادِقِ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ اللَّهَ فَسَبَّحَتِ الْمَلَائِكَةُ بِتَسْبِيحِنَا..."، ليثبت أن الْعَالِينَ هم المعصومون الذين لا يسجدون لآدم، كاشفًا سذاجة الطوسي الذي فسرها بالمتكبرين والمتجبرين.
وانتقل الشيخ إلى سورة القدر وسورة البينة، مبينًا أنهما سورتان فاطميتان بامتياز، وفي قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}، فنّد استنتاجات الطوسي اللغوية، مستشهدًا برواية الإمام الباقر صلوات الله عليه في كتاب تأويل الآيات الظاهرة: "هِيَ فَاطِمَةُ"، ومؤكدًا أن الفطرة الفاطمية هي حقيقة الدين القيّم المذكور في القرآن.
وفي ختام الحلقة، وجّه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي رسالته العملية للمؤمنين بضرورة الولوج إلى الدين من خلال قرآن محمد وآل محمد المفسر بتفسيرهم حصرًا، محذرًا من الدخول في الدين عبر تقليد الرجال والاعتماد على مناهجهم المنحرفة، لأن من دخل بالرجال أخرجه الرجال، ومن تمسك بحديث العترة زالت الجبال ولم يزل، داعيًا الله بالتوفيق لخدمة إمام زماننا صلوات الله عليه.

