ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 23
الحلقة ٢٣ – المذهب الطوسي ج٤
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الخميس 21 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 17 / 11 / 2022م
ابتدأ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة ببيان صلتها بما قبلها، مصرّحًا بأنها الجزء الرابع من عنوان المذهب الطوسي، والقسم الثالث من التمهيد في أجواء الشيخ المفيد، ومخصصًا إياها لتلخيص أهم ما جاء في الرسالتين الصادرتين من الناحية المقدسة دون التوغل في التفاصيل. وقد استهل الشيخ حديثه بتلاوة الآية القرآنية الشريفة: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}.
بيّن الشيخ الملاحظة الأولى المستخلصة من الرسالتين، وهي أن الشيخ المفيد صار مُلهمًا في أواخر حياته بتوفيق من إمام زماننا صلوات الله عليه، بعد أن كان غارقًا في ضلال الفكر الاعتزالي. وقد تجلى ذلك في مخاطبة الإمام له في الرسالة الأولى: "والله يلهمك الرشد"، وفي الرسالة الثانية: "من عبد الله المرابط في سبيله إلى ملهم الحق ودليله"، وقوله أيضًا: "هذا كتابنا إليك أيها الولي الملهم للحق العلي"، مما يؤكد أن هذا التسديد جاء لانتشاله من باطل الثقافة الشيعية العامة التي أسسها مراجع ذلك الزمان.
أوضح الشيخ أن الملاحظة الثانية تكمن في تركيز إمام زماننا صلوات الله عليه على صفة "الإخلاص" لدى الشيخ المفيد، والتي كانت السبب الأساس في اختياره وإلهامه الحق. وقد تكرر هذا الوصف في الرسالتين، كما في قوله: "ونحن نعهد إليك أيها الولي المخلص المجاهد فينا الظالمين"، وقوله: "سلام عليك أيها المولى المخلص في الدين المخصوص فينا باليقين"، ليكون النواة التي يرتكز عليها الإمام في توجيه الشيعة المخلصين الذين تاهوا وسط كثرة المراجع الذين نبذوا عهودهم.
أشار الشيخ إلى الملاحظة الثالثة المتمثلة في وجود خطر شديد يحدق بالشيخ المفيد وبالمجموعة المخلصة التي معه، وهو خطر عقائدي نابع من المارقين من الدين، أي علماء ومراجع الشيعة الذين انحرفوا عن المسار الصحيح، وليس خطرًا سياسيًا من العباسيين. وقد حذّر الإمام من هذا الخطر بقوله: "فقف أمدك الله بعونه على أعدائه المارقين من دينه"، وقوله: "ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء"، داعيًا إياهم إلى التعاضد بقوله: "وظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم".
انتقل الشيخ إلى الملاحظة الرابعة، وهي السرية الشديدة التي أحاطت بالرسالتين وبالبرنامج المهدوي الذي كُلف به الشيخ المفيد. فقد أمر إمام زماننا صلوات الله عليه بكتمان الأمر وحصر الاطلاع عليه بالمخلصين الثقات، كما جاء في الرسالة الأولى: "فاحتفظ به ولا تظهر على خطنا الذي سطرناه بما له ضمناه أحدا"، مؤكدًا أن تفاصيل هذا البرنامج بقيت طي الكتمان وماتت مع الشيخ المفيد، ولم تصل إلينا إلا خطوطه العامة كشفرة أودعها الإمام في الرسالتين.
لخص الشيخ الملاحظة الخامسة والأهم في تشخيص الرسالتين لمجموعتين متضادتين: المجموعة المارقة التي تمثل أكثر مراجع وعلماء الشيعة الذين خانوا بيعة الغدير، ووصفهم الإمام بقوله: "مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعا ونبذوا العهد المأخوذ منهم وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون"، ومجموعة السلف الصالح المخلصة التي أُمر الشيخ المفيد بجمعها وتنظيمها. وأكد الشيخ أن الإمام كاره للواقع الشيعي المنحرف، مصداقًا لقوله: "فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم".
تطرق الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بعد ذلك إلى كتاب الاختصاص، مبينًا أن الشيخ المفيد ألّفه استجابة لتوجيهات الإمام في الرسالة الأولى، ليكون بمثابة توبة واعتذار وتصحيح لما اقترفه في كتبه السابقة من ضلال. وقد تجلّت حرقة الندم في مقدمة الكتاب حيث قال المفيد: "والعجت في جمعه وإسباغه، وأقحمته فنونا من الأحاديث وعيونا من الأخبار ومحاسن من الآثار والحكايات في معان كثيرة من مدح الرجال وفضلهم"، قاصدًا بذلك مدح أصحاب الأئمة الذين يمثلون السلف الصالح.
أكد الشيخ أن كتاب الاختصاص يتضمن عقائد سليمة تناقض تمامًا ما سطره المفيد سابقًا في كتاب الإرشاد وتصحيح الاعتقاد، حيث أثبت فيه مقامات النبي الأعظم صلى الله عليه وآله والأئمة صلوات الله عليهم، وعلومهم اللامحدودة، ومعرفتهم بجميع اللغات ومنطق الطير، وطي الأرض لهم. كما أثبت فيه الرجعة العظيمة وتفاصيل ظلامة الزهراء، ووثق أحاديث كتاب سليم بن قيس، وروايات جابر بن يزيد الجعفي، معتذرًا بذلك لمن أساء إليهم سابقًا.
لفت الشيخ الانتباه إلى أن كتاب الاختصاص يعاني من اضطراب واضح في التنظيم والتنسيق، مقارنة بالدقة الهندسية في كتب حديثية أخرى ككتب النعماني أو الصفار، أو حتى مقارنة بكتابه الضال كتاب الإرشاد. وفسّر الشيخ هذا الاضطراب إما باستعجال المفيد وحالته النفسية المحترقة أثناء التأليف، وإما بتعرض الكتاب للعبث والتحريف لاحقًا على يد أتباع المذهب الطوسي لمحاولة طمس معالمه.
بيّن الشيخ كيف أن مراجع الحوزة الطوسية المرجئية والبترية، مثل الخوئي والسيستاني ومحمد آصف محسني وكاظم الحائري، ينكرون نسبة كتاب الاختصاص إلى الشيخ المفيد، ويطعنون فيه بشدة. وأرجع الشيخ سبب هذا الإنكار إلى رغبة هؤلاء المراجع في الحفاظ على ضلالهم العقائدي، وتمرير عقائدهم التقصيرية التي توافق ما جاء في كتب المفيد الضالة وتخالف ما أثبته من مقامات عليا في هذا الكتاب الذي يفضح انحرافهم.
ختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحلقة بخلاصة تمثل الرسالة العملية المطلوبة من الموالين، مؤكدًا أن البرنامج الذي أراده الحجة بن الحسن عليه السلام ليس برنامجًا سياسيًا ولا سعيًا لصناعة زعامات، بل هو مشروع عقائدي فكري يهدف إلى إيجاد شيعة مخلصين يمتلكون العقيدة السليمة التي تمهد القلوب والعقول للإمام. ودعا الشيخ المستمعين إلى عدم التفريط في نعم هذا الزمان، والمبادرة إلى العمل الإعلامي والتعليمي والتثقيفي لنشر ثقافة وعقائد آل محمد الصافية، وتحدي العوائق مهما كثرت.

