ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 22
الحلقة ٢٢ – المذهب الطوسي ج٣
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الأربعاء 20 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 16 / 11 / 2022م
يفتتح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة ببيان صلتها بما قبلها، موضحًا أنها الجزء الثالث من العنوان المتقدم في الحلقات الماضية المذهب الطوسي، وتعد استكمالًا للقسم الثاني من التمهيد في أجواء الشيخ المفيد. وينطلق الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي من الآية الكريمة: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، ليبين أن المشكلة الحقيقية للشيعة بدأت من سنة 448 للهجرة حين أسس الشيخ الطوسي الحوزة في النجف، فتسيد المذهب الطوسي ببدعه وآرائه على الواقع الشيعي.
يتناول الشيخ بالتحليل فترة ضلال الشيخ المفيد قبل هدايته متأثرًا بعقائد المعتزلة، مستشهدًا بما أورده في كتابه الإرشاد حول مرض إمامنا السجاد صلوات الله عليه في كربلاء. فقد نقل المفيد عن الراوي حميد بن مسلم، وهو من معسكر قتلة الحسين صلوات الله عليه، أن الإمام كان مصابًا بمرض "الذرب" أي الإسهال الشديد. ويقارن الشيخ بين هذا الطرح وبين ما نقله المؤرخ السني الطبري عن نفس الراوي، حيث اكتفى بوصف الإمام بأنه مريض دون ذكر "الذرب". ويؤكد الشيخ أن أئمتنا صلوات الله عليهم لا يصابون بأمراض تتغزز منها النفوس، وأن الإمام السجاد صلوات الله عليه كان مصابًا بالحمى الشديدة، وكانوا يدخلون عليه بالماء البارد لتخفيفها كما توصي أحاديث العترة الطاهرة.
ينتقد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بشدة تناقض المفيد في كتابه تصحيح الاعتقاد، حيث يسخّف كتاب سليم بن قيس الهلالي وينكر الاعتماد عليه، في حين يعتمد على روايات النواصب. ويبرز الشيخ القيمة العظيمة لكتاب سليم بن قيس عند أهل البيت، مستشهدًا بقول إمامنا الصادق صلوات الله عليه: «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْ شِيعَتِنَا وَمُحِبِّينَا كِتَابُ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ فَلَيْسَ عِنْدَهُ مِنْ أَمْرِنَا شَيْءٌ وَلَا يَعْلَمُ مِنْ أَسْبَابِنَا شَيْئاً وَهُوَ أَبْجَدُ الشِّيعَةِ وَهُوَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ».
يربط الشيخ بين ضلالات الماضي وواقع الحوزة المعاصر، مشيرًا إلى أن خطباء الحوزة الطوسية، كالشيخ الوائلي الذي يعد الناطق العقائدي الرسمي لحوزة النجف، يتبنون ذات المنهج في الإساءة لمقام الإمامة. ويستشهد بادعاءات الوائلي التي ينسبها كذبًا إلى إمامنا الباقر صلوات الله عليه، زاعمًا أن الغلمان كانوا يحملون الطشوت لتنظيف إمامنا السجاد صلوات الله عليه من غائطه. ويؤكد الشيخ أن هذا الكلام الكاذب مأخوذ من كتب الشوافع وليس له وجود في كتب الشيعة ولا في أحاديث العترة الطاهرة.
يواصل الشيخ تفكيك متبنيات المفيد التي أثرت سلبًا على المذهب الطوسي، ومنها إنكاره لمسير القافلة السجادية الزينبية إلى كربلاء، حيث صرح المفيد في كتاب الإرشاد أن العائلة الحسينية توجهت من الشام إلى المدينة مباشرة برفقة النعمان بن بشير، متجاهلًا زيارة الأربعين. ويوضح الشيخ أن مراجع النجف وكربلاء اتبعوا هذا الرأي، مبيّنًا أن الأزمة لا تقف عند هذا الحد بل تمتد لتشمل التوحيد الشركي الذي تتبناه هذه المرجعيات في كتب عقائدها، والذي وصفه إمامنا الرضا صلوات الله عليه بأنه ليس بتوحيد.
ينتقل الشيخ إلى بيان موازين العترة الطاهرة في تقييم الرجال، حيث يعتبر أئمتنا صلوات الله عليهم أن الفقه الحقيقي يُقاس بمدى فهم رواياتهم، ضاربًا المثل بجابر بن يزيد الجعفي الذي كان يحمل أسرار الرجعة، ولذا أمر الأئمة أصحابهم بعدم التحديث بأحاديثه لسفلة الشيعة لئلا يشنعوا عليها. ويسقط الشيخ هذا الميزان على الشيخ النجاشي الذي يبني عليه مراجع الحوزة دينهم في كتابه المزوّر عنوانه برجال النجاشي بينما اسمه الحقيقي فهرست النجاشي، حيث وصف جابرًا بأنه مختلط وسخّف تفسيره، معتمدًا على أشعار نقلها عن أستاذه المفيد تستهزئ بجابر.
يوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي كيف انتقل المفيد من ضلاله إلى الهدى بفضل تدخل إمام زماننا صلوات الله عليه وإلهامه له في أواخر حياته. ويستعرض الرسالة الأولى التي بعثها الحجة بن الحسن عليه السلام سنة 412 للهجرة، والتي يصفه فيها قائلًا: «لِلْأَخِ السَّدِيدِ وَالْوَلِيِّ الرَّشِيدِ الشيخ المفيد... سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْمَوْلَى الْمُخْلِصُ فِي الدِّينِ الْمَخْصُوصُ فِينَا بِالْيَقِينِ». ويبين الشيخ أن هذا التوفيق والتسديد نال المفيد لصفة الإخلاص التي كان يحملها رغم غطسه قبل ذلك في الضلال.
يستخرج الشيخ من الرسالة الأولى تشخيص إمام زماننا صلوات الله عليه الدقيق لانحراف الأكثرية الساحقة من مراجع الشيعة وعلمائهم، مبتعدين عن نهج السلف الصالح. ويقتبس قول الحجة بن الحسن عليه السلام: «وَمَعْرِفَتُنَا بِالزَّلَلِ الَّذِي أَصَابَكُمْ مُذْ جَنَحَ كَثِيرٌ مِنْكُمْ إِلَى مَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَنْهُ شَاسِعاً وَنَبَذُوا الْعَهْدَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُمْ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ»، موضحًا أن الإمام أمر المفيد بألا يُطلِع أحدًا على خطه ضمانًا للسرية، وأن ينقل المضمون فقط لمن يسكن إليهم من القلة الثابتة على الحق.
يستعرض الشيخ الرسالة الثانية التي وصلت للمفيد قبل وفاته بأشهر، والتي تبدأ بوصف دقيق من الحجة بن الحسن عليه السلام متناغمة مع الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، حيث يقول الإمام: «مِنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمُرَابِطِ فِي سَبِيلِهِ إِلَى مُلْهَمِ الْحَقِّ وَدَلِيلِهِ». ويوضح الشيخ كيف عصم الإمام المفيد، مستشهدًا بقوله: «فَقَدْ كُنَّا نَظَرْنَا مُنَاجَاتَكَ عَصَمَكَ اللَّهُ بِالسَّبَبِ الَّذِي وَهَبَهُ لَكَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ». ويتوقف عند وصف الإمام لمراجع الشيعة المنحرفين بـ «السَّبَارِيتِ مِنَ الْإِيمَانِ»، وهم المفتقرون للإيمان رغم قدرتهم عليه لتخليهم عن عهد الغدير.
يخلص الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى أن الواقع الشيعي محكوم بمسارين: الأول هو منهج السلف الصالح، وهم أصحاب الأئمة المخلصون الذين فسروا القرآن بتفسير العترة الطاهرة، وهو ما يطلق عليه الشيخ منهج الغديرين (غدير علي وغدير القائم). والثاني هو المنهج المنحرف الذي تجلى في المذهب الطوسي والذي ينقض بيعة الغدير ويقترب من المنهج العمري الناصبي، وهو ما يسميه الشيخ منهج السقيفتين (سقيفة بني ساعدة وسقيفة بني طوسي).
يختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي حديثه برسالة عملية مستقاة من كلام إمام زماننا صلوات الله عليه، يدعو فيها الشيعة إلى التوجه لخدمة الإمام بصدق ومعرفة، محذرًا من اتباع مراجع الضلال، وموردًا شرط الإمام لتحقق اللقاء والسعادة: «وَلَوْ أَنَّ أَشْيَاعَنَا وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِطَاعَتِهِ عَلَى اجْتِمَاعٍ مِنَ الْقُلُوبِ فِي الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ عَلَيْهِمْ لَمَا تَأَخَّرَ عَنْهُمُ الْيُمْنُ بِلِقَائِنَا وَلَتَعَجَّلَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ بِمُشَاهَدَتِنَا عَلَى حَقِّ الْمَعْرِفَةِ وَصِدْقِهَا مِنْهُمْ بِنَا»، وممهدًا للحلقة القادمة التي سيتناول فيها كتاب الاختصاص لإثبات انتقال المفيد إلى الهدى.
ملخصات ونصوص الحلقة (1)
المرفقات
الأدلة والوثائق
فيديو افتراءات الوائلي على الإمامين الباقر والسجاد صلوات الله وسلامه عليهما
ينسب الوائلي إلى الإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه قولاً يصف فيه ذكريات طفولته وكأن صورتها ما تزال أمام عينيه، من دون بيان مستند الرواية. كما يزعم أن الإمام السجاد صلوات الله وسلامه عليه كان مصاباً بداء الذرب، أي الإسهال الشديد.

