ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 21
الحلقة ٢١ – المذهب الطوسي ج٢
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الثلاثاء 19 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 15 / 11 / 2022م
يبدأ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي حديثه ببيان صلة هذه الحلقة بما قبلها، مصرّحًا بأنها تمثّل الجزء الثاني لتتمة واستكمال عنوان الحلقة الماضية، وأنها بمثابة تمهيد ضروري للدخول في صلب موضوع المذهب الطوسي، مبنيّ على المقدمات التوضيحية السابقة لضمان منهجية البحث السليمة.
يفتتح الشيخ حديثه بالتأكيد على خطورة هذا الموضوع وحساسيته البالغة لمن يدّعون التشيع، مستشهدًا بآية قرآنية: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. ويوضح أن الانحراف بدأ يترسخ تنظيميًا منذ انتقال الطوسي إلى النجف وتأسيس حوزتها، ليُهيمن المذهب الطوسي بفكره المنحرف عن مسار العترة الطاهرة على الواقع الشيعي الديني.
يسرد الشيخ التسلسل التاريخي للمرجعية الشيعية بعد انتهاء الغيبة الصغرى، مشيرًا إلى أن أول المراجع كان الحسن بن أبي عقيل العماني، ثم محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي، وهما شخصيتان تشبّعتا بـ الفكر الناصبي وشرعنتا دخوله إلى الواقع الشيعي. ويلفت إلى أن الشيعة اتبعوا هؤلاء وتركوا علماء عظماء وأصلاء كـ الشيخ النعماني الذي اضطر لمغادرة العراق بسبب خذلان المجتمع له.
ينتقل الشيخ لتسليط الضوء على مرجعية الشيخ المفيد التي بلغت ذروتها سنة ثلاثمائة وتسعين للهجرة، مبينًا أنه نشأ في بيئة متأثرة بـ الثقافة الاعتزالية، وهو ما انعكس على كتبه التي طفحت بالضلال قبل أن يتراجع في أواخر حياته إثر رسائل وصلته من إمام زماننا صلوات الله عليه، والتي لامه فيها قائلًا: ﴿مُذْ جَنَحَ كَثِيرٌ مِنْكُمْ إِلَى مَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَنْهُ شَاسِعاً وَنَبَذُوا الْعَهْدَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُمْ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. ورغم تراجع المفيد، بقيت كتبه الأولى المليئة بالانحرافات هي المعتمدة والمدرّسة في الحوزات إلى اليوم.
لتأكيد حجم الانحراف العقائدي، يقرأ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي من كتاب تصحيح الاعتقاد للمفيد، حيث ينفي كمال الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم قبل تسلمهم مهامهم الرسمية، ويدعو للتوقف في إثبات العصمة وكمال العقل لهم قبل ذلك الحين. ويفنّد الشيخ هذا الضلال بنصوص الزيارة الجامعة الكبيرة، قائلًا: ﴿السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَمَوْضِعَ الرِّسَالَةِ وَمُخْتَلَفَ الْمَلَائِكَةِ وَمَهْبِطَ الْوَحْيِ وَمَعْدِنَ الرَّحْمَةِ وَخُزَّانَ الْعِلْمِ﴾، ومضيفًا: ﴿وَأَنَّ أَرْوَاحَكُمْ وَنُورَكُمْ وَطِينَتَكُمْ وَاحِدَةٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ خَلَقَكُمُ اللَّهُ أَنْوَاراً فَجَعَلَكُمْ بِعَرْشِهِ مُحْدِقِينَ حَتَّى مَنَّ عَلَيْنَا بِكُمْ﴾.
يعرض الشيخ نموذجًا آخر من كتاب المسائل العكبرية، حيث يُسأل المفيد عن علم الإمام بكل ما يكون، وهو ما كانت تعتقد به عوام الشيعة بوضوح، فيجيب المفيد نافيًا ذلك، ويزعم أن الإجماع قائم على عدم علم الأئمة بالتفاصيل أو بوقت شهادتهم ومجرياتها. ويوضح الشيخ أن هذا التوجه مستمر حتى اليوم لدى مراجع النجف الذين يتنكرون لمعرفة الأئمة صلوات الله عليهم الشاملة والمطلقة.
ينتقد الشيخ بشدة كتاب الإرشاد للمفيد، مؤكدًا أن المرجعيات تتمسك به لكونه مشحونًا بـ عقائد الضلال وتترك كتابه الصحيح الاختصاص. ويشير إلى أن المفيد ينكر في كتابه الرجعة العظيمة وينفي قيام دولة للأئمة بعد الحجة بن الحسن عليه السلام، متماهيًا بذلك مع عقائد المخالفين. ويرد الشيخ على ذلك بنص قاطع للإمام الصادق عليه السلام: ﴿لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِرَجْعَتِنَا﴾.
يعمق الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي تفنيده لإنكار الرجعة بالاستناد إلى نصوص الزيارات المعتبرة، مورداً مقطعاً من زيارة آل يس حيث يُخاطب إمام زماننا صلوات الله عليه: ﴿وَأَشْهَدُ أَنَّكَ حُجَّةُ اللَّهِ، أَنْتُمْ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾، ويتبعها مباشرة بتأكيد هذه العقيدة الأساسية: ﴿وَأَنَّ رَجْعَتَكُمْ حَقٌّ لاَ رَيْبَ فِيهَا يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾، مبينًا أن هذا الإيمان أصل مفصلي ولا يمكن الاستعاضة عنه بمجرد الإيمان بـ الرجعة العجيبة المحدودة زمن الظهور.
يواصل الشيخ تفكيك ما ورد في كتاب الإرشاد، موضحًا أن المفيد ينكر فيه صراحةً حادثة إسقاط جنين الزهراء صلوات الله عليها المسمى بـ المحسن. ويوضح أن هذا النفي الصارخ صار ذريعة لشخصيات ومراجع متأخرين لإنكار ظلامتها وما جرى عليها من اعتداء وضرب ورفس بعد استشهاد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله.
يبيّن الشيخ تناقضات المفيد بإنكاره وتضعيفه لـ كتاب سليم بن قيس، رغم كونه من أعظم الأصول وأقدمها بشهادة السلف الصالح كالنعماني. وفي المقابل، يعتمد المفيد في كتابه الإرشاد على رواة قتلة مثل حميد بن مسلم، ليفتري على الإمام السجاد عليه السلام ويزعم أنه كان مريضًا بالذرب وهو الإسهال الشديد، في حين أن الإمام كان يعاني من الحمى الشديدة، واصفًا هذا النقل بأنه انتقاص صارخ وتشويه متعمد تنقله المنابر اليوم بتأثير من تلك الكتب.
يختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة بالخلاصة والرسالة العملية، مؤكدًا أن كل هذا الخراب الفكري المتأصل في الحوزات جاء من التمسك بـ المذهب الطوسي ومنهجيته المعكوسة التي تتشبث بالباطل وتنكر الحق. ويَعد المستمعين بتخصيص الحلقة القادمة للحديث عن هدى الشيخ المفيد وتراجعه الأخير، انطلاقًا من الإنصاف وضرورة كشف الحقائق نصرةً لحديث وأصالة العترة الطاهرة ورفضًا لانحرافات المرجعيات المعاصرة التي تسير على ذات النهج الضال.

