جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 461
تاريخ البث : يوم الأربعاء 2 ذي الحجّة 1444هـ الموافق 21 / 6 / 2023م
تبدأ هذه الحلقة، وهي الحلقة الحادية والستون بعد الأربعمئة من برنامج الخاتمة والسابعة عشرة ضمن عنوان جريمة المذهب الطوسي الكبرى بحق دين العترة الطاهرة، كاستكمال وتتمة للشق الأول من الجريمة المزدوجة والمتمثل في التحريف الديني والتجريف العقائدي، حيث يُبيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أنه بعدما أنهى في الحلقة الماضية الحديث عن الأنموذج الرابع من نماذج التحريف الصارخ والمتمثل في تحريف وصية رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث الثقلين، ينتقل في هذه الحلقة إلى العنوان الثالث من سلسلة العناوين التفصيلية، وهو تدمير المنظومة التفسيرية، ليتناول بالتفصيل كيفية هدم هذه المنظومة العظيمة التي أرادها الله ورسوله وأهل البيت صلوات الله عليهم لحفظ الدين وفهمه.
تتدور الفكرة العامة للحلقة حول بيان معالم المنظومة التفسيرية التي يُشكِّل حديث الثقلين خارطتها العلمية والعملية لدى شيعة العترة الطاهرة، والتي تقوم على ركنين أساسيين لا يمكن التفكيك بينهما بحال من الأحوال: مركز القيادة المتمثل في القرآن الكريم المفسَّر بتفسير أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله، والجيوش العسكرية المتمثلة في أحاديث أهل البيت صلوات الله عليهم بتخصصاتها المعرفية المتنوعة؛ حيث يوضح الشيخ كيف تضافرت جهود السقيفتين لتدمير هذه المنظومة وفصل القوات عن مركز قيادتها، مما أدى إلى تغييب الفهم الحق للدين وإيقاع الأمة في الضلال والتحريف.
في المحور التفصيلي الأول، يشرح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هيكلية المنظومة التفسيرية مستعينًا بتشبيه عسكري دقيق؛ فيبيّن أن الجيوش الميدانية المكونة من القوات البرية والبحرية والجوية وحرب الاستخبارات لا قيمة لها ولا فاعلية إن انقطعت عن غرفة القيادة ومركز العمليات الأرشيفي، وكذلك أحاديث أهل البيت صلوات الله عليهم هي تلك الجيوش المتعددة الاختصاصات، بينما القرآن الكريم — بقراءة وتفسير أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآل علي — هو مركز القيادة الذي يُرجع إليه عند الشك والريب، مؤكدًا أن أي محاولة للتفكيك بين مركز القرار القرآني والجيوش الحديثية تُسقط المنظومة التفسيرية برمتها وتُجردها من معناها الهادي.
وينتقل الشيخ للحديث عن تاريخ تدمير هذه المنظومة عبر رزيتي الخميس؛ الأولى هي رزية الخميس العمرية التي وقعت في المدينة المنورة سنة إحدى عشرة للهجرة وأسست لـ سقيفة بني ساعدة وشعارها الذي صرّح بتعطيل الفهم العتروي، والثانية هي رزية الخميس الطوسية التي وقعت سنة ثمان وأربعين وأربعمئة للهجرة عند تأسيس الحوزة النجفية وبناء سقيفة بني طوسي التي يصفها الشيخ بأنها أشد شؤمًا وأعظم ضررًا، مستشهدًا برواية الإمام الصادق صلوات الله عليه في تفسير الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليه حول أضرار علماء السوء، ومذكرًا بالـ قاعدة العلوية الكلية في المنطق العقائدي: «لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ» للتشخيص والتحديد بلا مواربة.
ويرسم الشيخ عبدالحليم الغزي بداية انطلاق المنظومة التفسيرية من مواثيق بيعة الغدير، مستعرضًا خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله في إقبال الأعمال لـ السيد ابن طاووس، حيث أخذ النبي العهد على الأمة بقوله الصريح: «مَعَاشِرَ النَّاسِ، تَدَبَّرُوا الْقُرْآنَ وَافْهَمُوا آيَاتِهِ وَمُحْكَمَاتِهِ، وَلاَ تَتَّبِعُوا مُتَشَابِهَهُ، فَوَاللَّهِ لاَ يُوَضِّحُ لَكُمْ تَفْسِيرَهُ وَلاَ يُبَيِّنُ لَكُمْ تَنزِيلَهُ إِلاَّ الَّذِي أَنَا آخِذٌ بِيَدِهِ وَرَافِعُهَا بِيَدِي... وَمُعْلِمُكُمْ أَنَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلاَهُ»، موضحًا أن عبارة «هَذَا عَلِيٌّ يُفَهِّمُكُمْ بَعْدِي» تُعد البوابة الحصرية والمفتاح الأساس لكل فهم قرآني مشروع، وأن الخروج عن هذا الفهم هو نقض صريح لميثاق الغدير.
ثم يتناول الشيخ ملامح هذه المنظومة في الصحيفة السجادية عبر دعاء ختم القرآن لـ الإمام السجاد صلوات الله عليه، مبيّنًا أن القرآن نزل على النبي الأعظم صلى الله عليه وآله بـ التنزيل الإجمالي في الألفاظ العربية المحدودة التي تشكل فهرسة ومفاتيح للحقيقة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، بينما أُلهِم علم عجائبه مكملًا، وورّثه الأئمة مُفَسَّرًا لشيعتهم، كما جاء في النص الشريف: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَنزَلْتَهُ عَلَى نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مُجْمَلًا، وَأَلْهَمْتَهُ عِلْمَ عَجَائِبِهِ مُكَمَّلًا، وَوَرَّثْتَنَا عِلْمَهُ مُفَسَّرًا... فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ الْخَطِيبِ بِهِ، وَعَلَى آلِهِ الْخُزَّانِ لَهُ»، متوقفًا عند دلالة الاعتصام بـ حبل القرآن واللجوء إلى الأئمة المعصومين لحفظ العقيدة من الزيغ والشك.
ويرسخ الشيخ حقيقة حبل الله الوارد في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ بالعودة إلى الروايات الشريفة في غيبة النعماني وتفسير البرهان لـ السيد هاشم البحراني؛ مستشهدًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله عندما أشار بيده إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه وقال: «هَذَا حَبْلُ اللَّهِ الَّذِي مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ بِهِ فِي دُنْيَاهُ، وَلَمْ يَضِلَّ بِهِ فِي آخِرَتِهِ»، وكذلك ما ورد عن الإمام الكاظم صلوات الله عليه في خطبة النبي أثناء مرضه ووصفه لـ أمير المؤمنين صلوات الله عليه بأنه العلم الأكبر وحبل الله المتين، ليؤكد الشيخ أن مفهوم حبل الله هو الولاية المطلقة لعلي وآله، وليس شعارات التقريب المذهبي المزيفة التي تُفرق بين قيادة الدين وجيوشه الحديثية.
ويستعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي نصوصًا جليلة من نهج البلاغة تفصل حقيقة القرآن؛ منها حث أمير المؤمنين صلوات الله عليه على تعلمه وتفقهه: «وَتَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ، وَتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ، وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ، وَأَحْسِنُوا تِلاَوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ»، وقوله في بيان عمق القرآن: «وَإِنَّ الْقُرْآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ، وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لاَ تَفْنَى عَجَائِبُهُ، وَلاَ تَنْقَضِي غَرَائِبُهُ، وَلاَ تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلاَّ بِهِ»، ثم حسْم الصبغة الناطقة للقرآن بقوله: «هَذَا الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانٍ، وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ تُرْجُمَانٍ»، وقوله: «ذَلِكُمُ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ وَلَنْ يَنْطِقَ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ»، ليثبت أن الناطق الحقيقي عن الكتاب الصامت هم آل محمد الذين فيهم كَرَائِمُ الْقُرْآنِ وهم كُنُوزُ الرَّحْمَنِ.
ويُفصّل الشيخ الفارق العقائدي بين منازل القرآن المشار إليها في سورة آل عمران في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، وبين كرائم القرآن الواردة في سورة الواقعة: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾؛ فيُبيّن أن التأويل في لسان العترة هو عين التفسير وارجاع الكلام إلى أصله وأوليته الحقّة، خلافا لتخرصات المدرسة الطوسية وأهل الخلاف، كما يوضح التلازم التام بين الظاهر والباطن للقرآن وللتكوين، استنادًا لقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾، مؤكدًا أن بواطن القرآن ومنازله وكرائمه منحصرة في أهل البيت صلوات الله عليهم وهم شُركاؤه الحقيقيون.
ويواصل الشيخ الشرح مبيّنًا أن الله تعالى وإن أنزل الكتاب ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ كما في سورة النحل، إلا أن وظيفة البيان حُصِرت بالنبي وآله كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، حيث الإنسان في التأويل هو أمير المؤمنين صلوات الله عليه؛ ثم يستعرض الانحراف التاريخي للأمة برفض مصحف علي وقراءته الأصيلة والاعتماد على قراءات منحرفة، مؤكدًا أن القراءة الحقيقية والتفسير المكتمل سيتجليان عند ظهور إمام زماننا صلوات الله عليه الذي سيُعلم الناس القراءة المهدوية الأصيلة وينشر الجمع المكتمل للقرآن.
يختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة بالدعوة إلى التدبر في القرآن الكريم وفق منهج الثقلين، والتحذير من القلوب المغلقة المعرضة عن بيعة الغدير والمشار إليها في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجدوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، مبيّنًا أن مفاتيح هذه الأقفال تكمن في القاعدة الواردة عن الإمام الباقر صلوات الله عليه في الكافي الشريف: «ذِرْوَةُ الْأَمْرِ وَسَنَامُهُ وَمِفْتَاحُهُ وَبَابُ الْأَشْيَاءِ وَرِضَا الرَّحْمَنِ الطَّاعَةُ لِلْإِمَامِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ»؛ وتتمثل الرسالة العملية والنتيجة الخاتمة في ضرورة تسليم القلوب لـ إمام زماننا صلوات الله عليه، ورفض مناهج السقيفتين، وركوب سفينة النجاة الآمنة عبر الالتزام الكامل بـ المنظومة التفسيرية للعترة الطاهرة والاهتداء بنورها في ظلمات الفتن.