جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 459
تاريخ البث : يوم الإثنين 30 ذي القعدة 1444هـ الموافق 19 / 6 / 2023م
تأتي هذه الحلقة بوصفها الجزء الخامس عشر من العنوان العريض "جريمة المذهب الطوسي الكبرى بحق دين العتره الطاهرة"، وضمن الجزء الرابع من "ملف الكتاب والعتره" في برنامج الخاتمة (الحلقة 459)، حيث يُواصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي استكمال الحديث عن الشق الأول المتعلق بـ التحريف الديني والتزييف العقائدي، وتحديدًا ضمن محور نماذج من التحريف الصارخ، متناولاً النموذج الرابع المتمثل في حديث الثقلين؛ ليبني على ما عُرِض في الحلقة السابقة من كشفٍ للزيوفات والتحريفات المشتركة بين سقيفة بني ساعدة وسقيفة بني طوسي.
تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول تفكيك الفهم التحريفي المنظوم في المذهب الطوسي بخصوص حديث الثقلين ومرتبة القرآن الكريم مقارنةً بالعترة الطاهرة، وإثبات الفرق الجوهري بين الكتاب الصامت وهو المصحف الشريف والكتاب الناطق المتمثل بـ أمير المؤمنين صلوات الله عليه والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم؛ حيث يُبيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بالدليل القرآني الرصين أن الكتاب الناطق هو أصل الهداية والغاية المعرفية، وأن الكتاب الصامت ليس سوى شأن من شؤون المعصوم وجزء من وجوده الشريف، مُفَنِّدًا الاختزال الطوسي الذي يقلص دور العترة إلى مجرد إمامة في التبليغ.
ينطلق الشيخ في المحور التفصيلي الأول من التدبر في الآيات الأولى من سورة البقرة: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۠ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، موضحًا أن الإشارة بقوله ﴿ذَٰلِكَ﴾ تتجاوز المصحف الصامت لتشير إلى مقام غيبي سامٍ هو الكتاب الناطق؛ استنادًا إلى الحديث المروي في تفسير القمي عن الإمام الصادق صلوات الله عليه في قوله: «الكتاب علي لا شك فيه هدى للمتقين، بيان لشيعتنا»، بينما جاء ذكر المصحف الصامت متأخرًا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، مما يثبت وجود كتابين: كتاب ناطق هو مصدر الهداية الحقيقية، وكتاب صامت يكون الإيمان به إجماليًا.
يُؤكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن التوحيد والنبوه والعمل الصالح لا قيمة لها ولا تُحقق الهداية التامة إلا بـ بيعة الغدير والتمسك بـ ولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه، مستدلاً بقوله تعالى في سورة طه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾، وبما ورد في الزيارة الغديرية المروية عن الإمام الهادي صلوات الله عليه من قول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله لعلي: «والذي بعثني بالحق ما آمن بي من كفر بك، ولا أقر بالله من جحدك، وقد ضل من صد عنك، ولم يهتد إلى الله ولا إلي من لم يهتد بك»، مشيرًا إلى أن الإعراض عن هذا الترتيب الإلهي هو اتباع لنهج إبليس في رفض الخضوع للأمر الرباني.
يستعرض الشيخ المفهوم اللغوي والوجودي للفظة الكتاب باعتبارها الحقيقة الجامعة المأخوذة من الجمع والتأليف، ويقارن بين الكتاب الصامت الذي اشتمل على المحكم والمتشابه وقَبِلَ التحريف والتأويل المنحرف من الفرق الضالة، وبين الكتاب الناطق المتمثل بـ أمير المؤمنين صلوات الله عليه والموصوف في سورة يس بقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾؛ إذ يُبيّن أن الإمام المبين هو كتاب إحصائي جامع كلي لا متشابه فيه، يستغني لذاته عن المصحف الصامت، في حين يفتقر المصحف الصامت إلى الكتاب الناطق لبيان مقاصده وحقائقه.
يُفَصِّل الشيخ مستويات ارتباط العترة الطاهرة بالقرآن الكريم، موضّحًا أن المستوى الأول هو العلم الذاتي الحقيقي المعبّر عنه في سورة آل عمران بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ وفي سورة الرعد بقوله: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾، أما المستوى الأعمق فهو الممازجة الوجودية المشار إليها في سورة الواقعة: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، حيث تكون حقائق المصحف جزءًا من كيان المعصوم وشأنًا من شؤونه الغيبية، وليس علمًا مكتسبًا كعلم غيرهم من المخلوقين.
يتطرق الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى الإحاطة العلمية الشاملة لـ العترة الطاهرة والمشار إليها في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، مبينًا أن رؤية المؤمنين (وهم الأئمة المعصومون صلوات الله عليهم) معطوفة على رؤية الله ورسوله بإحاطة تشمل الغيب والشهادة، كما يوضح معنى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ بأن وجه الله هو إمام زماننا صلوات الله عليه، مؤكدًا أن هذا المقام السامي لا ينافي العبودية المطلقة والافتقار التام لله تعالى كما في دعاء شهر رجب: «لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك».
يدرس الشيخ قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، مؤكدًا أن الحفظ الإلهي للقرآن إنما يتجلى في الخزانة الإلهية وهي العترة الطاهرة التي تحوي القرآن الواقعي محفوظًا من كل زيادة أو نقصان، كما يستشهد بـ آية المباهلة من سورة آل عمران: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾؛ لإثبات أن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله جعل أهل بيته البرهان الحاسم والوسيلة العظمى لإثبات أحقية القرآن وإقامة الحجة على الخصوم.
يُبيّن الشيخ الفرق بين التنزيل اللفظي ومقامه العالي استنادًا لقوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، موضحًا أن التعبير العربي تنزل ورحمة للناس، بينما حقيقته المكنونة في أم الكتاب هي علي الحكيم صلوات الله عليه، كما يتناول مفهوم المثل الأعلى المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ﴾، وقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، مؤكدًا بناءً على الزيارة الجامعة الكبيرة وآية النور أن المثل الأعلى لله في خلقه هم العترة الطاهرة صلوات الله عليهم، وليس الكتاب الصامت.
يخلص الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في ختام الحلقة إلى أن حديث الثقلين يمثل حديثًا برزخيًا وبوابة معرفية تفتح الطريق للوصول إلى الكتاب الناطق وليست نهاية المطاف العقائدي، مشددًا على أن اعتبار المصحف الصامت أفضل من العترة أو مساويًا لها هو تزييف يناقض منطق القرآن الكريم؛ وتتمثل الرسالة العملية في ضرورة نفض آثار التحريفات المرجعية والطوسية، والتوجه الصادق لنيل المعرفة الحقيقية بـ إمام زماننا صلوات الله عليه، والتمسك الكامل بـ ولاية أهل البيت صلوات الله عليهم باعتبارها الغاية والجوهر الحقيقي للدين والإيمان.