بانوراما الرجعة العظيمة - الحلقة 56
بانوراما الرجعةِ العظيمةِ – الحلقة ٥٦ – إمامة فاطمة صلوات الله عليها ج٨
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم السبت 27 شوّال 1446هـ الموافق 26 / 4 / 2025م
يستكمل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في هذه الحلقة الحديث ضمن الجزء الثامن الذي يحمل عنوان إمامتها صلوات الله عليها، موضحاً أن الكلام لا يزال متواصلاً في أجواء الدليل الحديثي التراكمي، ومتمماً لما مر في الحلقة السابقة من استعراض ما جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة ودعاء وداعها، ليواصل تتبع النصوص التي تصرح علناً بإثبات مقام الإمامة العظمى للصديقة الكبرى صلوات الله عليها.
تتركز الفكرة المحورية للحلقة حول إثبات الإمامة الإلهية الكلية الكبرى لفاطمة الزهراء صلوات الله عليها من خلال حشد ضخم من نصوص الزيارات، والأدعية، والصلوات المعتبرة، مبيناً أنها إمام الأئمة من ولدها، وأن مقامها يتطابق مع مقامات الأنبياء والأوصياء في استحقاقها المطلق لوصف الحجة البالغة وكلمة التقوى وغيرها من الأوصاف المعصومية العليا التي لا تنفصل عن جوهر العقيدة.
استشهد الشيخ بما ورد في كتاب كامل الزيارات لابن قولويْه القمي، ناقلاً عن الإمام الصادق صلوات الله عليه ما يُعرف بـ الزيارة الجامعة المتحركة، حيث تتحد الألفاظ والخطابات التي يُزار بها رسول الله وأمير المؤمنين والزهراء والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين، مما يؤكد عدم وجود فارق في مقامات الإمامة بينهم، إذ يُخاطبون جميعاً بالأصالة بوصفهم باب الهدى والعروة الوثقى والحجة البالغة على من فيها ومن تحت الثرى.
تطرق الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى الصلوات المروية عن الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليه المذكورة في مفاتيح الجنان، موضحاً أن السائل طلب تعليمه الصلاة على النبي وأوصيائه، فذكر الإمام العسكري الصلاة على النبي ثم أمير المؤمنين ثم سيدة النساء فاطمة، معللاً إدراجها بقوله: "لولا أنه دين أُمرنا أن نبلغه ونؤديه إلى أهله لأحببت الإمساك"، مما يثبت قطعيّاً أنها سيدة الأوصياء من ولدها وأن الإقرار بإمامتها ومقامها هو صلب الدين الذي أمر الله بتبليغه.
في سياق بيان مفهوم الدين، أورد الشيخ نصاً من كتاب بصائر الدرجات لرسالة الإمام الصادق صلوات الله عليه إلى المفضل بن عمر، والتي جاء فيها أن الدين وأصل الدين هو رجل، موضحاً وفقاً لخصائص لغة العرب أن الرجل هنا يُقصد به النوع الإنساني من باب التغليب، وهو ينطبق انطباقاً كاملاً على الصديقة الكبرى التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، فمن عرفها عرف الله، ومن أنكرها أنكر الله ودينه.
بالانتقال إلى المزار الكبير لابن المشهدي، استعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الزيارة الثامنة لأمير المؤمنين صلوات الله عليه، والتي تتضمن السلام على الزهراء والأئمة بوصفهم تراجمة وحي الله وخزان علمه. وأوضح وفقاً لـ حديث الثقلين والآية القرآنية {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} أن القرآن بطبيعته صامت والعترة ناطقة وحاكمة عليه، ولا يُعقل إطلاقاً أن تكون الزهراء صلوات الله عليها حاكمة على القرآن وهي خالية من منصب الإمامة الإلهية.
توقف الشيخ عند نصوص زيارة الصديقة الكبرى، مسلطاً الضوء على عبارتي "وسُلّت منها أنوار الأئمة" و"وأُرخيت دونها حجاب النبوة"، مبيناً أنها الأصل التكويني والنبعة التي تفرعت منها أنوار الأئمة صلوات الله عليهم، وأن إزالة ورفع حجاب النبوة عنها ينسجم تماماً مع كونها روح محمد التي بين جنبيه، وهي إشارات تحمل أسرار عميقة ومصطلحات عقائدية لا يدركها إلا من تسلح بالبصيرة.
تناول الشيخ دعاء التوسل الشريف وأعمال ليالي القدر كأدلة عملية راسخة، موضحاً أن التوسل بالمعصومين يضع الزهراء صلوات الله عليها في نفس السلسلة المتصلة بالله، حيث يخاطبهم الدعاء جميعاً بعبارة "يا سادتي وموالي إني توجهت بكم أئمتي وعدتي"، مؤكداً أن عبارة "وبحق كل مؤمن مدحته فيه" عند طقوس رفع المصاحف تنصرف حقيقةً وبشكل حصري إلى الأئمة المعصومين دون غيرهم من عامة الناس.
لفت الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الانتباه إلى دعاء سيدنا أبي طالب صلوات الله عليه في الجاهلية، الوارد في كتاب روضة الواعظين، والذي كان يتوسل فيه بـ المحمدية المحمودة والعلوية العالية والفاطمية البيضاء، رابطاً ذلك بما نقرأه في دعاء الافتتاح المروي عن الحجة بن الحسن عليه السلام، والذي يعطف بالصلاة على الأئمة من ولد الحسين بوصفهم أئمة المسلمين، مما يؤسس لهندسة عقائدية تجعل من محمد وعلي وفاطمة أئمة الأئمة.
اختتم الشيخ المحاضرة بالتأكيد على أن فاطمة الزهراء صلوات الله عليها لا تتجزأ عن الحقيقة المحمدية المستوية مستشهداً بـ حديث المعرفة بالنورانية الوارد في بحار الأنوار: "أولنا محمد وأوسطنا محمد وآخرنا محمد وكلنا محمد"، موجهاً رسالة عملية للموالين بضرورة قراءة الزيارات والأدعية بـ تدبر عقائدي لاستخلاص المعارف الصافية بعيداً عن الطقوس الجوفاء، رافعاً أكف التوسل بجمال محمد وآل محمد لتعجيل فرج إمام زماننا صلوات الله عليه.

