بانوراما الرجعة العظيمة - الحلقة 54
بانوراما الرجعةِ العظيمةِ – الحلقة ٥٤ – إمامة فاطمة صلوات الله عليها ج٦
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الخميس 25 شوّال 1446هـ الموافق 24 / 4 / 2025م
يستكمل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في هذا الجزء السادس من مبحثه ما توقف عنده في الحلقة الماضية، حيث ينتقل لمواصلة الحديث في أجواء الدليل القرآني التراكمي لإثبات الإمامة الإلهية الكبرى للسيدة الزهراء صلوات الله عليها، معتمداً على تراكم مضامين الآيات القرآنية بنحو جلي للوصول إلى الغاية العقائدية المطلوبة، قبل أن يشرع في نهاية الحلقة بطرح الدليل الحديثي التراكمي.
تتمحور الفكرة العامة لهذه المحاضرة حول إثبات الإمامة الإلهية الكلية لفاطمة الزهراء صلوات الله عليها، باعتبارها سيدة الوجود وقيمة الدين، وذلك من خلال استعراض منظومة متكاملة من الآيات القرآنية وتفسيرها وفقاً لـ المنهج التفسيري العلوي، لبيان أن الإمامة شأن متأصل في حقيقتها النورانية، وأنها حجة الله الكبرى وإمام الأئمة من ولدها وصولاً إلى إمام زماننا صلوات الله عليه.
ينطلق الشيخ في بيانه من سورة النور وسورة الروم وسورة النحل، موضحاً أن الله سبحانه جعل لنفسه المثل الأعلى الذي استقر في ظله، وتجلى هذا المثل في الحقيقة المحمدية العظمى. واستشهد بآية النور ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ مبيناً أن الزهراء عليها السلام هي المحور والمدار في هذه النورية والمجلى الأكمل لهذا المثل، ومن المحال أن تتجلى فيها مقامات أبيها دون أن تكون لها الإمامة الكبرى التي تمثل كمالاً لمقامها في الوجود.
ينتقل المطلب العلمي التالي إلى سورة البينة، حيث أورد ما بينه الإمام الباقر صلوات الله عليه من أن القيمة هي فاطمة، فالله ربط دين القيمة بها لأنها التجلي الأوضح للمثل الأعلى. ويعزز الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذا المعنى بآية سورة الإسراء ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، مشيراً إلى أن القرآن يدعو لدينها، فهي المدار الذي يرضى الله لرضاه، وهي القائمة على تقويم أهل الدين.
يستعرض الشيخ دلالات سورة الكوثر، موضحاً أن لفظة الكوثر في لغة العرب نادرة الاستعمال ولا تطلق إلا على الخير الكثير غير المحدود. ويبين أن هذا العطاء الإلهي المطلق المتمثل في الزهراء صلوات الله عليها لا يمكن أن يُتصور فيه نقصٌ بتجريدها من مقام الإمامة، بل هي العطاء الرباني الذي يناقض المنهج البتري، مؤكداً أن إنكار إمامتها يُعد خللاً في استيعاب العطاء المحمدي ورفضاً لمضامين القرآن الكريم.
في سياق استنباط الحقائق من سورة الحج، يقف الشيخ عند آية ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾، مستنداً إلى مرويات كتاب بصائر الدرجات وكتاب تفسير القمي ليبيّن تعدد آفاق القرآن. ويوضح أن القصر المشيد يرمز للإمام الظاهر كأمير المؤمنين عليه السلام، بينما البئر المعطلة ترمز للإمام الصامت أو الغائب كـ الحجة بن الحسن عليه السلام، وتدل أيضاً على الزهراء وولدها الذين عُطلوا من الإمامة السياسية، وهي شأن اعتباري دنيوي لا يؤثر على حقيقة إمامتهم الإلهية.
يربط الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي مفهوم التعطيل في الآية السابقة بما ورد في سورة النساء ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾، ناقلاً عن أئمة الهدى صلوات الله عليهم أن الملك العظيم يفسر بجعل الأئمة وفرض الطاعة المطلقة لهم. ومن خلال الجمع بين النصوص القرآنية والأحاديث التفسيرية، يخلص إلى أن الطاعة والملك العظيم ثابتان للزهراء عليها السلام، مما يثبت بشكل قاطع أنها إمام من الأئمة الموصوفين بهذا الملك العظيم.
يفند الشيخ شبهة اختصاص الإمامة بالرجال عبر التفريق بين النبوة والإمامة، مستشهداً بآية سورة القصص ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾. ويؤكد من خلال الروايات أن هذا الوصف ينطبق على آل محمد جميعاً، وأن الزهراء صلوات الله عليها مشمولة قطعاً بوصف الاستضعاف ووعد الإمامة الإلهية، مبيناً منزلتها الرفيعة التي صرح بها رسول الله في أيام شهادته.
يشرع الشيخ في توجيه دفة البحث نحو الدليل الحديثي التراكمي، مستهلاً بالخطبة الفدكية المروية في كتاب عوالم العلوم، حيث صرحت الزهراء عليها السلام قائلة: "وطاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً للفرقة". ويشير إلى أن كلامها حجة بالغة على فرض طاعتها وثبوت إمامتها التي تنتظم بها شؤون الأمة، محذراً من تحريف هذه النصوص أو تجاهل دلالاتها الواضحة في إثبات مقام الإمامة.
لتعزيز الاستدلال الحديثي، يورد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي ما نقله كتاب الإرشاد من قول الإمام الحسين صلوات الله عليه لأخته العقيلة زينب: "أبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني"، مبيناً أن هذه الخيرية تدل على تراتب سلسلة الأئمة الأربعة. كما استند إلى الحديث الذي يؤكد أن فاطمة حجة الله على الأئمة، مما يُسقط أوهام ومقالات المنكرين لفضلها ولـ إمامتها المطلقة.
يختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي حديثه بالتأكيد على أن الدليل القرآني التراكمي وما رافقه من أحاديث قد أثبت بوضوح وجلاء الإمامة الإلهية للزهراء صلوات الله عليها، واعداً باستدامة استعراض تفاصيل هذا المطلب في الحلقة القادمة عبر استكمال الدليل الحديثي التراكمي، ومجدداً الدعاء بالثبات على ولاية ومودة آل محمد وعلى رأسهم إمام زماننا صلوات الله عليه.

