بانوراما الرجعة العظيمة - الحلقة 39

بانوراما الرجعةِ العظيمةِ – الحلقة ٣٩ – دراية الحديث المعصومي ورعايته ما بين التوجه بهم والتوجه إليهم ج١

٩ أبريل ٢٠٢٥

مقدمة تعريفية عن الحلقة

تاريخ البث : يوم الأربعاء 10 شوّال 1446هـ الموافق 9 / 4 / 2025م

  • يستكمل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في هذه الحلقة ما بدأه في الحلقات المتقدمة حول التأسيس الفكري والمعرفي لتحقيق التفقه الزهرائي في عقيدة الرجعة، فبعد أن أتم الحديث عن الأمر الأول المتمثل في التواصل الصحيح مع القرآن الكريم، ينتقل لاستعراض الأمر الثاني وهو دراية الحديث المعصومي ورعايته، وتحديداً ما يرتبط وتتعلق به أحاديث الغيبة والظهور والرجعة، نظراً لما يجمعها من الترابط اللفظي والمعنوي والعقائدي الوثيق.

  • تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول ضرورة تجاوز مجرد حفظ النصوص إلى الفهم العميق لمضامينها، حيث يشدد الشيخ على أن دراية الرواية هي الميزان الحقيقي الدقيق لـ معرفة منازل الشيعة، مستنكراً المنهجيات التي تكتفي بالتركيز على الأسانيد وتغفل الغوص في حقائق المعاني، ومؤكداً أن هذا الفهم الدقيق هو الطريق الأوحد للارتقاء في درجات الإيمان ونيل رعاية ولطف إمام زماننا صلوات الله عليه.

  • في بيان أهمية الدراية، استشهد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بما ورد في كتاب معاني الأخبار عن الإمام الباقر صلوات الله عليه: "يا بني يعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم"، مبيناً أن المعرفة هي الدراية للرواية. كما أشار إلى ما تضمنه كتاب لعلي عليه السلام من أن قيمة كل امرئ وقدره تكمن في معرفته المستندة حصراً إلى القرآن المفسر بتفسيرهم ومضامين الحديث المفهم بتفهيمهم، محذراً من العلوم والعبادات التي تخلو من التفهم والتدبر.

  • ينتقل الشيخ لتوضيح أساليب أئمة الهدى في الخطاب، مورداً رواية الإمام الصادق صلوات الله عليه: "حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيها حتى يعرف معاريض كلامنا"، موضحاً أن فهم معاريض الكلام ومراميه يتطلب معايشة مستمرة لتفاصيل سيرتهم، لامتلاك القدرة على تمييز لحن القول الذي تخفى تحته المضامين الحقيقية، كما أورد ذلك ابن أبي زينب النعماني في كتاب غيبة النعماني.

  • يستعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي التحديات التي تكتنف نصوص الرجعة والظهور، مبيناً أنها لم تصل كاملة وتعرضت لآفات التحريف والتصحيف، فضلاً عن الاضطراب الظاهري الناشئ عن قانون البداء. ويطرح الحل المتمثل في العودة الصارمة إلى قواعد التفهيم الغديري والاحتكام إلى المنطق العلوي الذي ورثناه من أمير المؤمنين عليه السلام لفك هذه الشفرات و استجلاء الحقائق.

  • يؤكد الشيخ أن من أعظم مفاتيح فهم النصوص تطبيق قاعدة المحكم والمتشابه، مستشهداً برواية الإمام الرضا صلوات الله عليه في كتاب عيون أخبار الرضا: "مَنْ رَدَّ مُتَشَابِهَ الْقُرْآنِ إِلَى مُحْكَمِهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"، وتطبيق ذلك على الأخبار. وعند العجز عن ذلك، يُلزم الشيعي باللجوء إلى قاعدة الإرجاء بترك الحديث دون إنكاره حتى تتضح معالمه، وهذا يتطلب موسوعية في تتبع تراث العترة الطاهرة.

  • يضرب الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أمثلة عملية على خطورة التصحيف في الروايات، مشيراً إلى الخلط الجغرافي في أسماء الأماكن والشخصيات، كاختلاف النسخ بين "الشوشي" و"السوسي" و"السنوسي"، أو بين مدن مثل "تكريت" و"أكريت" و"كويت" و"كوت". وهذا الاختلاط يؤكد ضرورة استقصاء القرائن التاريخية والموضوعية بدقة، ويبين حجم المعاناة التي لقيها رواة الحديث عبر التاريخ من محاولات طمس علم أهل البيت.

  • في انتقال موضوعي محوري، يشرع الشيخ في تفصيل المطلب الثالث المعنون بـ التوجه بهم والتوجه إليهم، منتقداً تعامل أغلب الشيعة مع أهل البيت كـصيدلية للحالات الطارئة فقط. ويؤكد أن الشيعة الماحضين للإيمان يجعلون التوجه إلى الله عبر الحجة بن الحسن عليه السلام مساراً دائمياً في العقيدة والعبادة، مبيناً أن عقيدة التوسل تعني أن نتوجه إلى الله بهم لأنهم وجه الله الأقرب والأعظم.

  • لترسيخ هذا المبدأ عقائدياً، يورد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أدلة قرآنية صريحة، مستشهداً بقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾، لافتاً إلى أن العبادة لا تكتمل إلا بـ ابتغاء الوسيلة. ويعزز ذلك بآية سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، مؤكداً أن ولاية علي صلوات الله عليه هي التقوى الحقيقية.

  • يختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي حديثه بالتأكيد على أن أعظم الجهاد في سبيل الله هو طلب المعرفة والسعي الحثيث لإدراك مقامات إمام زماننا صلوات الله عليه، مبيناً أن استشعار العبودية لله لا يتحقق إلا في فناء طاعة العترة الطاهرة والإقرار الدائم بالتقصير بين أيديهم. ويوجه رسالته العملية بضرورة تنظيف العقول من الشوائب والتمسك الصارم بـ مسار التوسل كمنهج حياة شامل، واعداً باستكمال الغوص في هذا الموضوع في الحلقة القادمة.

ملخصات ونصوص الحلقة (1)