ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 9

الحلقة ٩ – العبّاسيّون القُدماء والجُدد ج٥

٣ نوفمبر ٢٠٢٢

مقدمة تعريفية عن الحلقة

تاريخ البث : يوم الخميس 7 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 3 / 11 / 2022م

  • هذه الحلقة هي الجزء الخامس من موضوع العباسيون القدماء والجدد، وأنها بمثابة تتمة لحديث حلقة الأمس التي طال وقتها وبقي منها ما يستوجب الإكمال. وبيّن الشيخ أن المعطيات المستقاة من النصوص المعصومية الشريفة والواقع الملموس تدل على أن حكام العراق اليوم ما بين النجف وبغداد هم امتداد للعباسيين الجدد، مشددًا على أنه يمثل قناعته الشخصية المستندة لتلك النصوص ولا يمثل من يُطلق عليهم الشيعة اليوم لاتباعهم المذهب الطوسي المخالف لدين محمد وآل محمد.

  • استشهد الشيخ بحوار ورد في الكافي الشريف بين الإمام الصادق صلوات الله عليه ورمز الدهرية ابن أبي العوجاء حول إثبات الخالق، حيث خاطبه الإمام بالقول: "إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء وهو على ما يقولون - يعني أهل الطواف - فقد سلموا وعطبتم وإن يكن الأمر على ما تقولون - وليس كما تقولون - فقد استويتم وهم". وظّف الشيخ هذا المنطق العقلي في التعاطي مع الثقافة المهدوية والأحاديث الشريفة، مبينًا أن الاستناد إليها في تشخيص الواقع إن طابق الحق فقد فزنا وأدركنا أيام إمام زماننا صلوات الله عليه، وإن لم يتحقق بسبب البداء أو نقص المعطيات فلا خسارة علينا لأننا عشنا في أجواء العترة الطاهرة.

  • تطرق الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى رواية محورية من كتاب غيبة النعماني يوجه فيها الإمام الكاظم صلوات الله عليه خطابه لوزيره علي بن يقطين قائلًا: "يا علي، الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة". وأوضح الشيخ أن هذه العبارة تحمل دلالات دقيقة، أولاها أن التشيع هو حقيقة الإسلام والتسليم المطلق لمحمد وآل محمد، منتقدًا استعمال مصطلح المذهب الاصطلاحي الذي يضع أهل البيت في كفة مساوية للمذاهب الأخرى، ومؤكدًا أن إشاعة الأماني العقائدية الصادقة هي من صميم التمهيد الوجداني الذي بدأ مع انطلاق الإسلام لترسيخ ارتباط الأمة بمشروع الظهور الأعظم.

  • وفي ذات السياق المترابط مع قضية الملاحم، عرض الشيخ رواية من علل الشرائع للشيخ الصدوق، حيث سأل علي بن يقطين الإمام الكاظم صلوات الله عليه عن تحقق الوعيد في الأعداء وعدم تحقق البشارات المروية في أهل البيت، فأجابه الإمام: "ان الذي خرج في اعدائنا كان من الحق فكان كما قيل وانتم عللتم بالاماني". وبيّن الشيخ أن تعليل النفوس وتسكينها بـ الأماني منهج مقصود لتثبيت القلوب ودفع آفة الملل والضجر التي قد تطفئ شعلة الحماس والترقب في مسيرة الانتظار.

  • توقف الشيخ عند نفحات حديث الكساء الشريف كدليل على عظمة الارتباط بهم، حيث أورد قول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله: "ما ذكر خبرنا هذا في محفل من محافل اهل الارض وفيه جمع من شيعتنا ومحبينا وفيهم مهموم الا وفرج الله همه". وربط الشيخ ذلك بـ السر المستودع في فاطمة، مبينًا أن هذا السر الأعظم يتجلى في بقيتهم وهو إمام زماننا صلوات الله عليه، وأن الحديث عن شؤون الغيبة والظهور هو الزبدة والخلاصة الحقيقية من حديث الكساء اليماني.

  • حذر الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي من استمرار الضلال الذي ضرب الأمة، مستندًا إلى ما نقله الحارث بن المغيرة في الكافي الشريف عن عبدالملك بن أعين حين سأل الإمام الصادق صلوات الله عليه عن هلاك الناس بعد اغتيال الرسول، فأقسَم الإمام قائلًا: "انها فتحت بضلال اي والله لهلكوا الا ثلاثه". وأشار الشيخ إلى أن هذه النافذة من الضلال لا تزال مفتوحة، محذرًا مما أسماه ضلال سقيفة بني طوسي الذي ابتلع الوعي الشيعي منذ تأسيس حوزة النجف سنة 448 للهجرة.

  • لترسيخ خطورة هذا الانحراف، انتقل الشيخ إلى خطبة لـ أمير المؤمنين صلوات الله عليه في الكافي الشريف حلف فيها منبهًا شيعته: "ولعمري ليضاعفن عليكم التيه من بعدي اضعاف ما تاهت بنو اسرائيل". وقرن الشيخ هذا التيه العميق بقاعدة من نهج البلاغة تنص على: "واعلموا انكم لن تعرفوا الرشده حتى تعرفوا الذي تركه ولن تاخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه فالتمسوا ذلك من عند اهله"، مشددًا على حتمية معرفة وتفكيك رموز الانحراف القديمة والمعاصرة للخلاص من هذا التيه.

  • سلط الشيخ الضوء على آفة الاختراق الداخلي، فقرأ من الكافي الشريف تحذير الإمام الصادق صلوات الله عليه: "ان ممن ينتحل هذا الامر ليكذب حتى ان الشيطان ليحتاج الى كذبه"، وتنبيه أمير المؤمنين: "الا وان من ابناء فاطمه دجالين". وفسّر الشيخ هذه النصوص بأنها تنطبق على المتسترين بالعمائم و الرئاسة الدينية التي هي في جوهرها رئاسة دنيوية، مبينًا أن شيطنتهم ودجلهم يفوقان غيرهم لأنهم يوظفون العقيدة كغطاء زائف لتمرير غاياتهم السلطوية.

  • عمّق الشيخ خطورة هؤلاء المندسين بالاستدلال برواية من رجال الكشي صرّح فيها الإمام الصادق صلوات الله عليه قائلًا: "ان ممن ينتحل هذا الامر لمن هو شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين اشركوا". وأكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن هذه المقارنة الصادمة لا تتعلق بالأعراف المجتمعية أو الأخلاق الإنسانية بل تنصبّ حصرًا على الجانب العقائدي، محذرًا من خطر الزعامات التي تدعي التشيع ظاهريًا بينما تنشر عقائد أشد تدميرًا للدين من أديان المشركين.

  • لفرز الصفوف وتمييز الموالين الحقيقيين، اعتمد الشيخ على نصوص من كتاب صفات الشيعة للشيخ الصدوق، ناقلًا مقياس الإمام الرضا صلوات الله عليه: "شيعتنا المسلمون لامرنا الاخذون بقولنا المخالفون لاعدائنا فمن لم يكن كذلك فليس منا"، وقول الإمام الصادق صلوات الله عليه: "كذب من زعم انه من شيعتنا وهو متمسك بعروة غيرنا". وصرّح الشيخ أن أعظم وأخطر العرى هي عروة العقيدة وفهم القرآن، منتقدًا بشدة المرجعيات التي تركت منابع العترة الصافية واستندت لمناهج مستوردة كالمذهب الطوسي.

  • تتبع الشيخ مسارات الفتنة الداخلية برواية أخرى من صفات الشيعة، حيث بيّن الإمام الرضا صلوات الله عليه أن من أخطر المدعين مَن يتظاهر بالمودة قائلًا: "ان ممن يتخذ مودتنا اهل البيت لمن هو اشد فتنه على شيعتنا من الدجال... بموالاه اعدائنا ومعاداه اوليائنا انه اذا كان كذلك اختلط الحق بالباطل واشتبه الامر فلم يعرف مؤمن من منافق". وطالب الشيخ بضرورة إسقاط هذه المواصفات وتدبرها عمليًا على واقع مرجعيات النجف وأحزابها السياسية لفضح حالة التلبيس المتعمد وخلط الأوراق.

  • أسس الشيخ قاعدة كلية من قواعد تفسير القرآن بناءً على ما جاء في رجال الكشي عن الإمام الكاظم صلوات الله عليه: "ما انزل الله سبحانه في المنافقين الا وهي في من ينتحل التشيع". وطبق الشيخ هذه القاعدة على مشاهد سورة الحديد التي تحكي تضرع المنافقين يوم القيامة: "يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين امنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب"، مؤكدًا وفق الروايات أن المقصودين هنا هم من ادعوا التشيع في الدنيا لكنهم انحرفوا عن العقيدة السليمة وفارقوا المنهج الحقيقي.

  • في ختام الحلقة، قدّم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الرسالة العملية المستهدفة من هذه الطروحات، ملخصًا إياها برواية جامعة من كتاب صفات الشيعة تُبين معايير التفاضل الحقيقية بين أتباع العترة حيث جاء فيها: "بعضكم اكثر صلاه من بعض وبعضكم اكثر حجا من بعض وبعضكم اكثر صدقه من بعض وبعضكم اكثر صياما من بعض وافضلكم افضل معرفه". وأوصى الشيخ شيعة الحجة بن الحسن عليه السلام بأن يرتقوا في مسار وعيهم العقائدي، فالمعيار الأسمى للخدمة والانتظار يكمن في إدراك البصيرة وتحصيل أعلى مراتب المعرفة بعيدًا عن مناهج الضلال.

ملخصات ونصوص الحلقة (1)