ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 29
الحلقة ٢٩ – المذهب الطوسي ج١٠
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الأربعاء 27 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 23 / 11 / 2022م
ينتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في هذه الحلقة إلى بيان المعلم الثاني من معالم المذهب الطوسي، استكمالًا لحديثه في الحلقة السابقة التي فصّل فيها المعلم الأول المتمثل في نقض بيعة الغدير.
يوضح الشيخ أن الفكرة المركزية لهذه الحلقة تتناول نقض أصل العقيدة المحمدية العلوية من قبل هذا المذهب. ويبين أن الدين عند النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين صلوات الله عليه يبتني على أصل واحد فقط وهو الإمام، بينما يتبنى المذهب الطوسي خمسة أصول للدين أخذها من المدارس الكلامية كالأشاعرة والمعتزلة، وهي: التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، والمعاد.
يرفض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي جعل التوحيد أصلًا مستقلًا بمعزل عن الإمام، مؤكدًا أن التوحيد الحقيقي يؤخذ حصرًا من المعصومين. ويستشهد بما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة: «مَنْ أرادَ اللهَ بَدَأَ بِكُمْ، وَمَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ»، ليثبت أن الإمام هو أصل الأصول، وما دونه تفريعات. ويستدل على أن الدين رسالة لا تكتمل إلا بالولاية بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
يعزز الشيخ هذا المطلب بما رواه محمد بن الحسن الصفار في كتاب بصائر الدرجات عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله أنه خاطب أمير المؤمنين صلوات الله عليه قائلًا: «يا علي يا علي أنت أصل الدين ومنار الإيمان وغاية الهدى وقائد الغر المحجلين أشهد لك بذلك»، مشيرًا إلى أن هذا المنطق القرآني والمحمدي ينطبق على جميع الأئمة وصولًا إلى إمام زماننا صلوات الله عليه.
وفي سياق بيان حقيقة معرفة الله، يستشهد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي برواية من كتاب علل الشرائع للشيخ الصدوق، حيث خطب الإمام الحسين صلوات الله عليه قائلًا: «أيها الناس إن الله جل ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه»، ولما سُئل عن معرفة الله أجاب: «معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته».
يعقد الشيخ مقارنة بين ما ورد في كتاب الاقتصاد فيما يجب على العباد للشيخ الطوسي والذي أسس فيه لأصول الدين الخمسة جاعلًا الإمامة متأخرة، وبين دعاء الغيبة الوارد عن الحجة بن الحسن عليه السلام: «اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي»، ليؤكد أن معرفة الإمام هي الأصل الذي تتفرع عنه بقية المعارف.
ينتقد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بشدة عقيدة الشيخ الطوسي التي تحصر أفضلية الإمام وعلمه في شؤون الدين والحكم فقط، وتجوّز أن يكون في الرعية من هو أعلم منه في الصنائع وغيرها. ويرد على هذا الانتقاص بتأكيد شمولية علم الإمام المطلق، مستشهدًا بالآية القرآنية النازلة بحق أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.
يستنكر الشيخ ادعاء الطوسي بأن أمير المؤمنين صلوات الله عليه لم يكن عالمًا بجميع الشرع في حياة النبي، وأن الإمامين الحسن والحسين لم يكونا عالمين بذلك في حياة أبيهما. ويُبطل هذا الادعاء الموهم بالنقص بحديث النبي الأعظم صلى الله عليه وآله: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»، مبينًا أن الإمامة شأن متصل بالكمال المطلق منذ الصغر ولا تخضع للتدرج العلمي البشري.
يتعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي لما أورده الطوسي في كتابه تلخيص الشافي من أن الإمام يجب أن يكون أكثر ثوابًا من رعيته ليطمئنوا إليه والانقياد لأمره، واصفًا هذا المنطق بالسطحي الذي يجهل مقامات الأئمة. ويقابله بما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة: «السَّلَامُ عَلَى مَحَالِّ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَسَاكِنِ بَرَكَةِ اللَّهِ» و**«وَالتَّامِّينَ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ»**، موضحًا أن الأئمة ذوات مستقرة تامة تجلى الله فيها، ولا يعتريهم نقص ليستزيدوا منه بل هم منبع العطاء.
يناقش الشيخ مسألة الشفاعة، رافضًا رأي الطوسي المطابق للأشاعرة في قصر الشفاعة على إسقاط المضار والذنوب دون زيادة المنافع. ويحتج بآية التحويل العظيمة: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ لإثبات أن العطاء الإلهي في الشفاعة يتجاوز دفع العذاب إلى مضاعفة الحسنات.
يضيف الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي شواهد أخرى متظافرة على شمولية الشفاعة لزيادة المنافع، مقتبسًا من زيارة إمام زماننا صلوات الله عليه: «وَتُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ وَتُمْحَى السَّيِّئَاتُ»، ومن دعاء التوسل: «يَا وَجِيهًا عِنْدَ اللَّهِ اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ اللَّهِ»، ومن دعاء سجدة زيارة عاشوراء: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَفَاعَةَ الْحُسَيْنِ يَوْمَ الْوُرُودِ وَثَبِّتْ لِي قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَكَ مَعَ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِ الْحُسَيْنِ».
يختم الشيخ محاضرته بخلاصة حاسمة، يؤكد فيها أن الشفاعة عند المعصومين مطلقة في جلب المنافع ودفع المضار، وتشمل الدنيا والبرزخ والقيامة وفي كل آن. ويوجه رسالته العملية للمؤمنين بضرورة التمسك بدين العترة الطاهرة الخالص المأخوذ من القرآن الكريم وأحاديثهم الشريفة، والابتعاد عن المناهج الكلامية المتأثرة بالمدارس الأخرى والتي شوهت المعارف الحقة ونأت بالناس عن المعرفة الأصيلة لـ إمام زماننا صلوات الله عليه.

