العودة للبحوثات

فاطمةُ المعصومةُ صورةٌ من صورِ الزهراءِ صلواتُ اللهِ عليهما

مولاتي فاطمة الزهراءالثقافة الزهرائيةالامام الكاظمالسيدة المعصومة

١٩ أبريل ٢٠٢٦

جانبٌ مِن أوجهِ التشابُهِ بين أسماءِ الزهراءِ وأسماءِ السيّدةِ المعصومة

وبيانُ السِّرِّ في افتتاحيّةِ زيارةِ المعصومةِ بتسبيحِ الزهراء

أهلُ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم وضعوا لنا سُبُلاً متعدّدةً لمعرفةِ فضلِهم، ومعرفةِ فضلِ ذراريهم، وفضلِ أوليائِهم. ومن أوضحِ هذه السُّبُل التي نصبوها لشيعتِهم: الزيارات.

فهذه الزياراتُ الشريفةُ الواردةُ عنهم صلواتُ اللهِ عليهم ليست مجرّدَ نصوصٍ تُقرأ، وإنّما هي كُتُبٌ مختصرةٌ تُبيَّنُ فيها المقامات، وتُفتحُ فيها أبوابٌ من المعارفِ والأسرار. لكنَّ المؤسفَ حقّاً أنَّ أكثرَ المراجعِ ورجالِ الدين في واقعِنا الشيعيّ أعرضوا عن نصوصِ زياراتِ أهلِ البيت، بجهلِهم وجهالتِهم، مع أنَّها كنوزٌ من المعرفة.

وهنا تكونُ الوقفةُ عند مقدّمةِ زيارةِ مولاتِنا فاطمةَ المعصومةِ صلواتُ اللهِ عليها، لأنَّ هذه المقدّمةَ وحدها تفتحُ نافذةً مهمّةً لمعرفةِ شيءٍ من مقامِها العالي. وهذه المعرفةُ إنّما هي على قدرِنا نحن، وعلى قدرِ مداركِنا القاصرة، لا على قدرِ مولاتِنا المعصومةِ صلواتُ اللهِ عليها، فإنَّ كُنهَ مقامِها الأقدس لا يعرفُه إلّا أهلُ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم.

══════ ✦ ══════

تسبيحُ الزهراءِ في افتتاحِ زيارةِ المعصومة

يقولُ إمامُنا الرضا صلواتُ اللهِ عليه في مقدّمةِ زيارةِ مولاتِنا المعصومة:

(فإذا أتيتَ القبرَ فقُم عند رأسِها مُستقبِلَ القِبلةِ وكبِّر أربعاً وثلاثين تكبيرة، وسبِّح ثلاثاً وثلاثين تسبيحة واحمد اللهَ ثلاثاً وثلاثين تحميده، ثُمّ قل..)
[البحار: ج99]

وهذا الذِّكرُ الذي يبدأُ بـ الله أكبر ويُختَتمُ بـ سبحان الله هو تسبيحُ الزهراءِ بعينِه، ذلك الذكرُ الذي وهبهُ نبيُّنا الأعظمُ صلى الله عليه وآله لبضعتِه الطاهرة، وجعله عنواناً لتشريفِها، ودليلاً على عظيمِ منزلتِها. وهذه الصيغةُ هي الأدقُّ في تسبيحِ الزهراء، لأنَّ من خصائصِه أنَّه كالأذان، يُفتتحُ بلفظِ الجلالة ويُختتمُ به، وفي هذا إشارةٌ إلى الارتباطِ العميقِ بين حقيقةِ الأذان وبين فاطمةَ صلواتُ اللهِ عليها. ولا عجبَ في ذلك، أوليس معنى هذا العنوانِ العظيم: خير العمل، الذي نردِّدُه في الأذان، هو برُّ فاطمةَ وولدِها؟

والنقطةُ المهمّةُ هنا أنَّ افتتاحَ زيارةِ مولاتِنا المعصومةِ بتسبيحِ الزهراءِ يكشفُ عن عظيمِ منزلتِها، لأنَّ المتكلِّمَ البليغَ حين يتكلّمُ في موضوعٍ ما يجعلُ في افتتاحِ كلامِه براعةَ استهلال. ومعنى براعةِ الاستهلال أنَّ المقدّمةَ تختصرُ على نحوِ الإجمالِ جميعَ المضامينِ التي سيتوسّعُ فيها بعد ذلك. ومن هنا فإنَّ إمامَنا الرضا صلواتُ اللهِ عليه، وهو الإمامُ المعصومُ المتكلِّمُ في هذه الزيارة، لم يجعلْ هذه المقدّمةَ اعتباطاً، بل أرادَ بها الإشارةَ إلى أنَّ مولاتَنا المعصومةَ صورةٌ ناطقةٌ من صورِ الزهراءِ، وأنَّها نُسخةٌ مأخوذةٌ من الزهراءِ، ولذلك خُصَّت زيارتُها بتسبيحِ الزهراءِ.

〰〰〰〰〰

مِن أوجهِ التشابُهِ بين أسماءِ وألقابِ الزهراءِ والمعصومة

إنَّ هذا الافتتاحَ ليس الإشارةَ الوحيدة، بل هناك أوجهٌ عديدةٌ للتشابُهِ بين أسماءِ وألقابِ مولاتِنا السيّدةِ المعصومةِ وبين أسماءِ وألقابِ أمِّها الصدّيقةِ الكبرى صلواتُ اللهِ عليهما. وهذه الأوجهُ لا تُذكرُ جزافاً، وإنّما تُذكرُ لأنَّ بين الأسماءِ وذواتِ أصحابِها علقةً حقيقيّة، فما من مُسمّى إلا وفيه من اسمِه شيء.

فِداها أبوها

الزهراءُ صلواتُ اللهِ عليها لطالما قال لها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله: "فِداها أبوها"، وهذه عبارةٌ تكشفُ بوضوحٍ بالغٍ عن رفيعِ شأنِها وعظيمِ منزلتِها. وهي صورةٌ من صورِ الأدبِ المحمّديِّ مع فاطمة، أراد بها نبيُّنا الأعظمُ صلى الله عليه وآله أن يلفتَ أنظارَ الأُمّة إلى كيفيّةِ التعرّفِ على مقامِها وكيفيّةِ التعاملِ معها. فإذا كان محمّدٌ صلى الله عليه وآله، وهو وجهُ اللهِ وقلبُ اللهِ الواعي، يقولُ للزهراءِ: "فِداها أبوها"، فمَن نحنُ حتّى نحيطَ بعمقِ هذه الكلمة؟!

وهذه العبارةُ نفسها لم تختصّ بالصدّيقةِ الكبرى وحدها، بل قالها أيضاً إمامُنا بابُ الحوائجِ موسى بن جعفر صلواتُ اللهِ عليه في حقِّ مولاتِنا المعصومة. وحسبُها من رفيعِ المقامِ أن يقولَ لها الإمامُ المعصوم: "فِداها أبوها".

اسمُ فاطمة

اسمُ مولاتِنا الزهراءِ هو فاطمة، ومن معاني هذا الاسمِ الشريف أنَّها فَطَمَت شيعتَها من النار، كما ورد في الروايات. وكذلك مولاتُنا المعصومةُ اسمُها فاطمة أيضاً، وهي التي فَطَمَت زوّارَها العارفين بحقِّها من النار. ولهذا قال إمامُنا الرضا صلواتُ اللهِ عليه: (مَن زارَها عارفاً بحقِّها فلَهُ الجنّة).

لقبُ الكبرى

من ألقابِ الصدّيقةِ الكبرى لقبُ الكبرى. وقد لقّبها نبيُّنا الأعظمُ صلى الله عليه وآله بهذا اللقب، ويقولُ إمامُنا الباقرُ صلواتُ اللهِ عليه في حديثِه عن فضلِ مولاتِنا الزهراءِ:

(ما تكاملت النبوّةُ لنبيٍّ حتّى أقرَّ بفضلِها ومحبّتِها وهي الصدّيقةُ الكبرى، وعلى معرفتِها دارت القرونُ الأولى)
[تفسير فرات]

وكذلك مولاتُنا السيّدةُ المعصومةُ فإنَّ من ألقابِها الكبرى أيضاً، وقد لقّبها بهذا اللقبِ إمامُنا الكاظم صلواتُ اللهِ عليه.

لقبُ المعصومة

من ألقابِ مولاتِنا الزهراءِ صلواتُ اللهِ عليها لقبُ المعصومة، وقد ذكرَت زياراتُها الشريفةُ هذا اللقبَ بصراحة، كما في العبارة:
(وصلِّ على البتولِ الطاهرةِ الصدّيقةِ المعصومة).

وكذلك مولاتُنا كريمةُ أهلِ البيتِ فاطمةُ بنتُ إمامِنا بابِ الحوائج، فإنَّ من ألقابِها المعصومة. وصحيحٌ أنَّ الرواياتِ التي وصلت إلينا لا تشتملُ على نصٍّ صريحٍ من أهلِ البيتِ يسمّيها بهذا اللقب، ولكن ليس كلُّ ما صدر عنهم وقع في أيدينا، فلعلَّ في الرواياتِ الضائعةِ أو غيرِ الواصلةِ ما صرّح بذلك. وعلى أيّ حال، فقد أصبح هذا اللقبُ علماً عليها في الوسطِ الشيعي، بل تحوّل من لقبٍ إلى اسم، حتّى إذا قيل: السيّدةُ المعصومة انصرف الذهنُ إليها.

ومولاتُنا فاطمةُ المعصومةُ هي أيضاً معصومةٌ من كلِّ دنسٍ، ومن كلِّ ريبةٍ ورجاسةٍ ودناءةٍ ونجاسة. وقطعاً مقامُ عصمتِها العليِّ بحسبِها، وليس كعصمةِ الأربعةِ عشر صلواتُ اللهِ عليهم، فالأئمّةُ المعصومون الأربعةُ عشر عصمتُهم عصمةُ اللهِ سبحانه وتعالى، فلا يُقاسُ بهم أحدٌ من الخلق أبداً. أمّا مولاتُنا المعصومةُ فعصمتُها عصمةٌ برزخيّة؛ دونَ عصمةِ الأربعةِ عشر، وأعلى رتبةً من عصمةِ الأنبياءِ، كما هو الحالُ مع عصمةِ العقيلةِ زينب، وعصمةِ أبي الفضلِ العباس، وسائرِ أولياءِ أهلِ البيتِ في المراتبِ العالية.

بابُ الحوائج

الزهراءُ صلواتُ اللهِ عليها بابٌ واسعٌ للحاجات، يتوجّهُ إليها كلُّ محتاجٍ ومضطرّ، فهي بابُ الرجاءِ وساحةُ الآمالِ وفناءُ الرحمة. وكذلك مولاتُنا السيّدةُ المعصومةُ فهي بابٌ من أبوابِ الحوائج، مثلَ الصدّيقةِ الكبرى ومثلَ أبيها الكاظم صلواتُ اللهِ عليه، فما قصدَها أحدٌ من محبّيها بنيّةٍ خالصةٍ إلّا وقضت حاجتَه.

الشفاعة

من أسماءِ مولاتِنا الزهراءِ صلواتُ اللهِ عليها الشفيعة؛ فلها الشفاعةُ العظمى يومَ المحشر، وهي مليكةُ الحشرِ الأكبر. والرواياتُ تُخبرُ بأنَّها تشفعُ لذراريها، ولشيعتها، ولشيعةِ شيعتها، بل لكلِّ مَن نصرَ وُلدَها وأحسنَ إلى شيعتِها. وكذلك مولاتُنا السيّدةُ المعصومةُ شفيعةٌ أيضاً، ولذلك يخاطبُها الزائرُ في زيارتِها الشريفة:

(يا فاطمةُ اشفعي لي في الجنّة فإنّ لكِ عند اللهِ شأناً من الشأن)

ويؤكّد هذا المعنى حديثُ إمامِنا الصادقِ صلواتُ اللهِ عليه:

(ألا إنّ للجنةِ ثمانيةَ أبواب؛ ثلاثةٌ منها إلى قُم، تُقبَضُ فيها امرأةٌ مِن وُلدي اسمُها فاطمةُ بنتُ موسى، وتُدخلُ بشفاعتِها شيعتي الجنّةَ بأجمعِهم)
[البحار: ج57]

══════ ✦ ══════

السِّرُّ في هذا كلِّه

إذا جُمعت هذه الوجوهُ بعضُها إلى بعض، بانَ أنَّ هناك علقةً واضحةً بين الزهراءِ والمعصومةِ صلواتُ اللهِ عليهما، وأنَّ افتتاحَ زيارةِ المعصومةِ بتسبيحِ الزهراءِ ليس أمراً عارضاً، بل هو إشارةٌ معرفيّةٌ بليغةٌ إلى أنَّ السيّدةَ المعصومةَ تتحرّكُ في أفقٍ فاطميّ، وأنَّ نورَها مأخوذٌ من نورِ الزهراءِ. فالإمامُ الرضا صلواتُ اللهِ عليه لم يضعْ هذا الاستهلالَ جزافاً، بل أراد أن يجعلَ في صدرِ الزيارة مفتاحَ الفهمِ كلِّه.

──── ✦ ────

الكلمةُ الجامعة

هذه جملةٌ من أوجهِ التشابه بين أسماءِ مولاتِنا الزهراءِ وبين أسماءِ السيّدةِ المعصومةِ صلواتُ اللهِ عليهما. ولم تُذكر هذه الأوجهُ اعتباطاً، وإنّما لكشفِ جهةٍ من جهاتِ المقام، ولفتحِ نافذةٍ من نوافذِ المعرفة.

فافتتاحُ زيارةِ المعصومةِ بتسبيحِ الزهراءِ وحده كافٍ ليدلَّ على عظيمِ منزلتِها، وعلى أنّها ليست سيّدةً عاديّةً في ذراري أهلِ البيت، بل لها حظٌّ فاطميٌّ خاص، وصورةٌ ناطقةٌ من صورِ الزهراءِ، ونسخةٌ مأخوذةٌ من نورِها الشريف. وكلُّ ذلك على قدرِ ما نستطيعُ أن نفهم، لا على قدرِ ما هي عليه في نفسِ الأمر، فإنَّ كُنهَ مقامِها الأقدس فوقَ مداركِنا جميعاً.

#الثقافة_الزهرائية
#فاطمة_المعصومة
#الزهراء
#تسبيح_الزهراء
#الشفاعة
#زيارة_المعصومة