العودة للبحوثات

﴿يُخرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ بين تفسيرِ العترةِ وتضليلِ الطوسي

فساد المرجعية والدين الطوسيالتحريف في المذهب الطوسي

٧ أبريل ٢٠٢٦

كيف نقضَ الطوسيُّ دلالةَ الآيةِ على بيعةِ الغدير بأسلوبٍ خفيّ؟

حين يُفرَّغُ النصُّ من دلالتِه

ليست المشكلةُ هنا في مجرَّد اختلافٍ تفسيريٍّ عابر، بل في اتّجاهٍ تفسيريٍّ يُحاوِل أن يُبعِدَ الآيةَ عن أفقِ الولايةِ والإمامة، وأن يجرَّها إلى معنىً عامٍّ باردٍ لا يمسُّ أصلَ المشروعِ الغديريّ، ولا يكشفُ عن الحقيقةِ التي بيَّنتها أحاديثُ العترةِ الطاهرةِ صلواتُ اللهِ عليهم.

فالآيةُ الكريمة:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَولِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾

جاءت في دينِ العترةِ الطاهرةِ صلواتُ اللهِ عليهم واضحةَ الدلالةِ، لكنَّ الطوسيَّ في التبيان حرَّكها في اتّجاهٍ آخر، ينسجمُ مع مذهبه، ويُعطِّلُ إشارتَها الخطيرةَ إلى الولايةِ الحقّة والولايةِ الجائرة.

══════ ✦ ══════

ماذا قال الطوسي؟

يقولُ الطوسيُّ في تفسيره التبيان:

(وقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَولِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) إنما أضاف إخراجهم "من النور" الذي هو الايمان إلى الكفر إلى الطاغوت، لما كان ذلك باغوائهم، ودعائهم، وإنما كفروا عند ذلك، فأضاف ذلك إليهم، فهو عكس الأول. فان قيل: كيف "يخرجونهم من النور" وما دخلوا فيه؟
قلنا عنه جوابان:
أحدهما - إن ذلك يجري مجرى قولهم: أخرجني والدي من ميراثه. ولم يدخل فيه، وإنما ذلك لأنه لو لم يفعل ما فعل، لدخل فيه، فهو لذلك بمنزلة الداخل فيه الذي أخرج منه...)

إلى أن يقول:

(والوجه الثاني - قال مجاهد: إنه في قوم ارتدوا عن الاسلام، والأول أليق بمذهبنا)
[التّبيان في تفسير القرآن - ج2 ص314، 315]

وهنا موضعُ الضلالِ والانحرافِ في هذا التفسير.
فالطوسيُّ لم يقفْ عند روايةِ العترةِ الطاهرةِ صلواتُ اللهِ عليهم، ولم يفتحْ الآيةَ على معناها الولائيّ الخطير، بل اتّجه إلى تأويلٍ يُفرغُها من هذا المضمون، ويجعلُ الإخراجَ من النور إلى الظلمات إمّا على نحوِ الفرضِ والتقدير، أو على معنى الارتداد، ثمَّ رجَّح الوجهَ الأوّل لأنَّه "أليق بمذهبنا". وهنا ينكشفُ الأمرُ بوضوح: إنَّ المعيارَ لم يَعُد النصَّ الواردَ عن العترة، بل صار المذهبَ الذي يريدُ تثبيتَه.

──── ✦ ────

وأمّا في دينِ العترةِ الطاهرةِ صلواتُ اللهِ عليهم

فقد جاء التفسيرُ واضحاً صريحاً عن إمامِنا الصادقِ صلواتُ اللهِ عليه، في الحديثِ الطويلِ عن عبد الله بن أبي يعفور:

(قال الله: «وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَولِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ» قال: قلتُ: أ ليس الله عنى بها الكُفّار حين قال: «وَ الَّذِينَ كَفَرُوا» ؟ قال: فقال - الإمام الصّادق- : و أيُّ نُورٍ للكافر و هو كافر فأُخرِجَ منهُ إلى الظُلُمات !! إنّما عَنَى اللهُ بهذا أنّهم كانوا على نُور الإسلام، فلمّا أن تولوا كُلَّ إمامٍ جائرٍ ليس مِن الله خرجوا بولايتهم إياهم مِن نُور الإسلام إلى ظُلمات الكُفر، فأوجب لهم النّار مع الكُفّار، فقال: «أُولئِكَ أَصحابُ النَّارِ هُم فِيها خالِدُونَ».)
[تفسير العياشي ج1]

هذا هو التفسيرُ الذي ينسجمُ مع ظاهرِ الآيةِ ومع عمقِها العقائديّ.
الإمامُ صلواتُ اللهِ عليه يرفضُ الفهمَ الساذجَ الذي يجعلُ الآيةَ في الكافرينَ الأصليّين فقط، ويسألُ سؤالاً حاسماً:

أيُّ نورٍ للكافر وهو كافر فأُخرج منه إلى الظلمات؟

وهذا السؤالُ وحده ينسفُ بناءَ الطوسيّ من أصلِه.
لأنَّ الحديثَ ليس عن كافرٍ لم يدخلِ النورَ أصلاً، ولا عن افتراضٍ بلاغيٍّ متكلَّف، بل عن قومٍ كانوا على نورِ الإسلام، ثمَّ خرجوا من هذا النور بولايتهم لأئمّةِ الجور.

〰〰〰〰〰

أين موضعُ الخطر في تفسيرِ الطوسي؟

موضعُ الخطرِ ليس في اختيارِ معنىً من المعاني فقط، بل في إبعادِ الآية عن دائرةِ الإمامةِ والولاية.

ففي بيانِ إمامِنا الصادقِ صلواتُ اللهِ عليه، الآيةُ تتحدّثُ عن أناسٍ كانوا في داخلِ الإسلام، لكنّهم حين تولَّوا كلَّ إمامٍ جائرٍ ليس من الله خرجوا من نورِ الإسلام إلى ظلماتِ الكفر. فالقضيّةُ هنا ليست مجرَّد معصيةٍ، ولا انحرافٍ فرعيّ، بل هي نقضٌ لبيعةِ الغدير، وخروجٌ من نورِ الولايةِ الحقّة إلى ظلماتِ الطاغوت.

أمَّا الطوسيُّ فقد صرفَ الآيةَ إلى معنىً عامٍّ لا يصطدمُ ببنيةِ مذهبه، ولذلك قال في النهاية:

(والأول أليق بمذهبنا)

وهذه العبارةُ تكفي وحدها لكشفِ الجهةِ التي تحرَّك منها.
فبدلَ أن يكونَ المذهبُ تابعاً للنصِّ، صار النصُّ يُؤوَّلُ ليخدمَ المذهب.
وهذا هو الأسلوبُ الشيطانيُّ بعينه:
أن تُبقي الألفاظَ في ظاهرِها، لكن تُفرغَها من دلالتِها الحيّة، ومن إشارتِها الولائيّة التي تهدمُ الأساسَ الذي بُني عليه هذا الخطُّ الطوسيّ.

╭• ───── ✦ ───── •╮

لماذا ترتبطُ الآيةُ ببيعةِ الغدير؟

لأنَّ الغديرَ ليس حادثةَ إعلانٍ تاريخيٍّ فقط، بل هو نورُ الإسلام في بُعدِه الولائيّ.
فمَن كان في الإسلام ولم يلتزمْ بولايةِ الإمامِ المنصوبِ من الله، ثم تولّى إماماً جائراً، فإنَّه لم يبقَ في نورِ الإسلامِ الذي أراده الله، بل خرجَ إلى ظلماتِ الطاغوت.

وهذا هو عينُ ما يشرحهُ إمامُنا الصادقُ صلواتُ اللهِ عليه في هذا الحديث.
فالآيةُ هنا ليست بعيدةً عن الغدير، بل هي من أوضحِ ما يكشفُ أنَّ الولايةَ الفاسدةَ تُخرجُ الإنسانَ من نورِ الإسلام، وإن بقي في الظاهرِ منتسباً إليه.

ومن هنا يتّضحُ أنَّ التفسيرَ الطوسيّ لم يكن مجرَّد خطأٍ علميّ، بل كان تعطيلاً مقصوداً لجهةِ الآيةِ الغديريّة، لأنَّ فتحَ الآيةِ بهذا الفهمِ الولائيّ ينسفُ كثيراً من البنيانِ الذي أُقيمَ على تبريرِ ولايةِ الجائرين، أو على إفراغِ الولايةِ الإلهيّة من محتواها العمليّ.

══════ ✦ ══════

ما الذي تكشفهُ عبارةُ: "أليق بمذهبنا"؟

هذه العبارةُ ليست تفصيلاً عابراً، بل هي اعترافٌ منهجيّ.

فهو لم يقل: هذا أليقُ بالآية،
ولم يقل: هذا أليقُ بما وردَ عن العترةِ الطاهرةِ صلواتُ اللهِ عليهم،
بل قال: أليق بمذهبنا.

وهنا ينكشفُ الانحرافُ كلُّه:
حين يصبحُ المذهبُ هو المقياس، لا العترة، ولا النصُّ، ولا البيانُ الصادرُ عن الإمامِ المعصوم، فإنَّ النتيجةَ الطبيعيّة هي هذا النوعُ من التفسيرِ الذي يبتعدُ عن نورِ الغديرِ ويقتربُ من مناهجِ المخالفين.