العودة للبحوثات

بَكَتْ مولاتُنا الزهراءُ الزاهرةُ صلواتُ ربي عليها على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله حتّى تأذّى بها أهلُ المدينة

رسول اللهمولاتي فاطمة الزهراء

٧ أبريل ٢٠٢٦

فما هي حكايةُ الزهراءِ صلواتُ اللهِ عليها مع بيتِ الأحزان؟

يقولُ إمامُنا الصادقُ صلواتُ اللهِ عليه:

(البكَّاؤون خَمْسة: آدم، و يعقوب، و يُوسف، و فاطمة بنت محمّد "صلّى الله عليه وآله" و علي بن الحسينِ "السّجاد صلواتُ الله عليه")

ثمّ يُبيّن صلواتُ اللهِ عليه شأنَ هؤلاء البكّائين:

▪︎ فأمَّا آدم فبَكى على الجنَّة حتَّى صارَ في خَدَّيهِ أمثالُ الأودية.

▪︎ و أمَّا يعقوب فبَكى على يُوسف حتَّى ذَهَب بَصرهُ و حتَّى قيْلَ لهُ: {تالله تَفْتَأُ تَذكُرُ يُوسُفَ حتَّى تكُونَ حَرَضاً أو تكُونَ مِنَ الهالكِينَ}.

▪︎ و أمَّا يُوسف فبكى على يَعقوب حتَّى تأذَّى بهِ أهْلُ السجن، فقالوا له: إمَّا أن تبكي الَّليل و تَسْكتَ بالنهار و إمَّا أن تبكي النهار و تَسْكتَ بالَّليل، فصالحهم على واحدةٍ مِنْهما.

▪︎ و أمَّا فاطمة فبَكَتْ على رسول الله حتَّى تأذَّى بها أهل المدينة، فقالـوا لها: قد آذيتنا بِكَثرةِ بُكائِكِ.. فكانتْ تَخْرجُ إلى المَقابِر فتبكي حتَّى تَقضي حاجتها ثُمَّ تنصرف.

▪︎ و أمَّا عليُّ بن الحُسين فبَكى على الحسين أربعينَ سَنةً، ما وُضِعَ بينَ يديهِ طعامٌ إلاّ َبكى حتَّى قالَ لهُ مولىً لهُ: جُعلتُ فِداكَ يا ابنَ رَسولِ اللهِ إنّي أخافُ عليكَ أن تكونَ من الهالكين، قال: إنَّما أشكو بثَّي وحُزني إلى اللهِ و أعلمُ من اللهِ ما لا تعلمون، إنّي ما أذكُرُ مَصْرَعَ بني فاطمة إلاَّ خنقتني لذلكَ عبرة)

[كامل الزيارات]

〰〰〰〰〰

عبارةٌ قاسيةٌ مُؤلمةٌ مُقرِحةٌ للقلوب

لاحظوا هذهِ العبارة القاسية و المُؤلمة جدّاً و المُقرحة للقُلوب، حين يقول الإمامُ الصادقُ صلواتُ اللهِ عليه:

(و أمَّا فاطمة فبَكَتْ على رسول الله حتَّى تأذَّى بها أهل المدينة، فقالـوا لها: قد آذيتنا بِكَثرةِ بُكائِكِ)

ألمِثلِ حبيبةِ الله، وبضعةِ رسولِ الله، وروحِهِ التي بين جنبَيه، يُقالُ مثلُ هذا الكلام:

"قد آذيتِنا بِكَثرةِ بُكائِكِ"..!!!

أيُّ ظلمٍ وقع عليكِ يا أُمَّ الحسنِ والحسينِ من هذهِ الأمّةِ البائسةِ المنقلبةِ على أعقابِها؟!

〰〰〰〰〰

لم يكتفِ القومُ بما فعلوهُ بها

لم يكفِ القومَ انتهاكُ حُرمتِها، والهجومُ على دارِها، وعصرُها بين الحائطِ والباب، وكسرُ ضلعِها، وإسقاطُ جنينِها، وركلُها، وضربُها، ووكزُها بنعلِ السيفِ في خاصرتِها، وتعذيبُها، وشتمُها، وقذفُها...

لم يكتفوا بكلِّ هذا الظلمِ الفظيع...

بل منعوها حتّى من البكاءِ على أبيها المصطفى صلى الله عليه وآله، كما يذكرُ الشيخُ المجلسيُّ في البحار.

〰〰〰〰〰

شيوخُ أهلِ المدينةِ يشتكونَ بكاءَها

ينقلُ الشيخُ المجلسيُّ:

(و اجتمع شيوخُ أهل المدينة، و أقبلوا إلى أميرِ المؤمنين فقالوا له: يا أبا الحَسَن إنَّ فاطمة تبكي الّليل والنهار فلا أحد مِنّا يتهنّأُ بالنَوم في الّليل على فُرُشنا، ولا بالنهار لنا قرار على أشغالنا و طلب معايشنا، و إنّا نُخبرك أن تَسألها إمّا أن تبكي ليلاً أو نهاراً...)

ثمّ يقول:

(فأقبل أميرُ المؤمنين "صلواتُ الله عليه" حتّى دخل على فاطمة وهي لا تفيقُ مِن البكاء ولا ينفعُ فيها العزاء، فلمّا رأتهُ سكنتْ هُنيئة له، فقال لها: يا بنتَ رسول الله.. إنّ شيوخ المدينة يسألوني أن أسألكِ إمّا أن تبكين أباكِ ليلاً و إمّا نهاراً)

فقالت صلواتُ ربي عليها:

(يا أبا الحسن ما أقلّ مَكثي بينهم، و ما أقربَ مَغيبي مِن بين أظهُرهم، فوالله لا أسكتُ ليلاً ولا نَهاراً.. أو ألحقَ بأبي رسول الله)

فقال لها أميرُ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه:

(إفعلي يا بنتَ رسول الله ما بدا لك)

ثمّ يقول المجلسي:

(ثمّ إنّهُ بنى لها بيتاً في البقيع نَازحاً عن المَدينة يُسمَّى بيتَ الأحزان، و كانتْ إذا أصبحتْ "صلواتُ الله عليها" قدّمتْ الحَسَن والحُسين أمامها، و خرجتْ إلى البقيع باكية، فلا تزال بين القُبور باكية، فإذا جاء الّليل أقبلَ أمير المؤمنين إليها وساقها بين يديه إلى منزلها)

[بحار الأنوار: ج٣٥]

〰〰〰〰〰

ما معنى بيتِ الأحزان؟

بيتُ الأحزان ليس عنواناً عاطفيّاً فقط، وإنّما هو شاهدٌ على شدّةِ ظُلامتِها صلواتُ ربي عليها.

فهي لم تُترك حتّى تبكي أباها في المدينة كما تشاء.
ضاقوا ببكائها، وتأذّوا من نحيبِها، وذهبوا يشتكونها إلى أميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه.

فكان بيتُ الأحزان موضعاً نازحاً عن المدينة، في البقيع، تخرجُ إليه مولاتُنا الزهراءُ الزاهرةُ صلواتُ ربي عليها، وتُقدِّم الحسنَ والحسينَ أمامَها، ثمّ تبقى بين القبورِ باكيةً حتّى تقضي حاجتَها، فإذا جاء الليلُ عاد بها أميرُ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه إلى منزلها.

أيُّ مشهدٍ هذا؟

فاطمةُ صلواتُ ربي عليها، ابنةُ رسولِ الله صلى الله عليه وآله، لا تجدُ في المدينةِ التي كان فيها أبوها موضعاً يتّسعُ لبكائِها، فيُبنى لها بيتُ أحزانٍ خارجَها.

〰〰〰〰〰

يا أبا الحسن ما أقلَّ مكثي بينهم

هذه العبارةُ من أوجعِ ما في الرواية:

(يا أبا الحسن ما أقلّ مَكثي بينهم، و ما أقربَ مَغيبي مِن بين أظهُرهم)

إنّها تعرفُ صلواتُ ربي عليها أنّ بقاءَها قليل، وأنّ رحيلَها قريب، ولذلك أقسمت:

(فوالله لا أسكتُ ليلاً ولا نَهاراً.. أو ألحقَ بأبي رسول الله)

فبكاؤها لم يكن بكاءَ فقدٍ عاديّ، وإنّما كان بكاءَ روحٍ مكسورة، وبكاءَ قلبٍ فُجع برسولِ الله صلى الله عليه وآله، ثمّ فُجع بما جرى بعده عليها وعلى بعلِها وعلى حقِّها وعلى دارِها.

〰〰〰〰〰

بيتُ الأحزان شاهدٌ على غربتِها

حين نقرأ هذه الأخبار، نفهم أنّ بيتَ الأحزان شاهدٌ على غربةِ مولاتِنا الزهراءِ الزاهرةِ صلواتُ ربي عليها بعد رسولِ الله صلى الله عليه وآله.

فهي تبكي، والقومُ يتأذّون.
وهي تنوح، وهم يشكون.
وهي ابنةُ نبيّهم، ومع ذلك لا يحتملون صوتَ حزنِها.

فلم يكن بيتُ الأحزان مجرّدَ مكانٍ تبكي فيه، بل كان شاهدًا على أنّ المدينةَ بعد رسولِ الله صلى الله عليه وآله لم تعُد المدينةَ التي تحتضنُ الزهراء، بل صارت المدينةَ التي تضيقُ بأنينِها.

〰〰〰〰〰

خاتمةٌ

بكت مولاتُنا الزهراءُ الزاهرةُ صلواتُ ربي عليها على رسولِ الله صلى الله عليه وآله حتّى تأذّى بها أهلُ المدينة، فقالوا لها: قد آذيتِنا بكثرةِ بُكائِكِ.

ومن هنا تبدأُ حكايةُ بيتِ الأحزان.
حكايةُ سيّدةٍ مكسورةٍ مفجوعة، لم يكتفِ القومُ بظلمِها والاعتداءِ عليها، بل ضاقوا حتّى ببكائِها على أبيها.

فبُني لها بيتٌ في البقيع، وخرجت إليه مع الحسنِ والحسينِ صلواتُ اللهِ عليهم، وبقيت بين القبورِ باكيةً حتّى إذا جاء الليلُ عاد بها أميرُ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه إلى منزلِها.

فيا لقرحةِ القلوبِ حين تمرُّ على هذه الحكاية.
ويا لعظيمِ غربتِها صلواتُ ربي عليها.
ويا لبيتِ الأحزان الذي بقي عنوانًا من عناوينِ ظُلامتِها بعد أبيها رسولِ الله صلى الله عليه وآله.