حين بكى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله على مصارعِ عترتِه وبشَّر زوّارَهم
٧ أبريل ٢٠٢٦
حين بكى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله بين أهلِ بيتِه
وبشَّر زوّارَهم بالنجاةِ يومَ القيامة
ما أوجعَ بعضَ المشاهدِ حين تبدأُ بسكينةِ البيت،
ثم لا تلبثُ أن تنفتحَ على مصارعِ العترةِ الطاهرةِ صلواتُ اللهِ عليهم.
رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله بين أهلِه،
وطعامٌ قُدِّم إليه،
وأهلُ البيتِ حوله،
ثم فجأةً ينقلبُ المشهدُ إلى سجودٍ طويلٍ وبكاءٍ مديد،
حتى لا يجرؤ أحدٌ على السؤال.
لكنّ الحسينَ صلواتُ اللهِ عليه كان أقربَ القلوب،
فجاءَ يدرجُ إلى جدِّه،
ومن هنا بدأ هذا الحديثُ المملوءُ بالمصيبةِ والبشارة.
══════ ✦ ══════
نصُّ الرواية
عن أمير المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه قال:
زارنا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم فقدمنا إليه طعاما وأهدت إلينا أم أيمن صحفة من تمر وقعبا من لبن وزبد، فقدمنا إليه، فأكل منه، فلما فرغ قمت وسكبت على يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ماء، فلما غسل يديه مسح وجهه ولحيته ببلة يديه، ثم قام إلى مسجد في جانب البيت وصلى وخر ساجدا فبكى وأطال البكاء، ثم رفع رأسه، فما اجترى منا أهل البيت أحد يسأله عن شيء.
فقام الحسين صلواتُ اللهِ عليه يدرج حتى صعد على فخذي رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخذ برأسه الى صدره ووضع ذقنه على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال: يا أبه ما يبكيك؟
فقال له: يا بني اني نظرت إليكم اليوم فسررت بكم سرور لم أسر بكم مثله قط، فهبط إليّ جبرئيل فأخبرني انكم قتلى وان مصارعكم شتى، فحمدت الله على ذلك وسألت لكم الخيرة.
فقال له: يا أبه فمن يزور قبورنا ويتعاهدها على تشتتها؟
قال: طوائف من أمتي يريدون بذلك بري وصلتي، أتعاهدهم في الموقف وآخذ بأعضادهم فانجيهم من أهواله وشدائده.
📚 كامل الزيارات ص٥٩
──── ✦ ────
من سرورِ اللقاء إلى بكاءِ المصير
الروايةُ تبدأُ بمشهدٍ حميميٍّ دافئ:
رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله في بيتِ أميرِ المؤمنين،
وطعامٌ بسيطٌ مبارك،
وتمرٌ ولبنٌ وزبد،
وأهلُ البيتِ في جوٍّ من الأنسِ والقرب.
لكنَّ هذا السرورَ نفسه هو الذي فتح بابَ الحزن.
فالنبيُّ صلى الله عليه وآله حين نظرَ إليهم، وسُرَّ بهم سرورًا عظيمًا، نزل عليه جبرئيل، لا ليُتمِّ هذا الفرح، بل ليكشفَ له الحقيقةَ التي تنتظرهم:
"إنكم قتلى وإن مصارعكم شتى"
ما أقسى هذه الكلمة.
ليست مصيبةً واحدة،
ولا مصرعًا واحدًا،
ولا فاجعةً في موضعٍ واحد،
بل دماءٌ موزَّعة،
ومصائرُ متفرّقة،
ومقاماتُ شهادةٍ تمتدُّ على طولِ دربِ العترةِ الطاهرةِ صلواتُ اللهِ عليهم.
〰〰〰〰〰
الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه هو الذي سأل
ما أجملَ هذا الموضعَ وما أشدَّه إيلامًا.
لم يسأل أحدٌ من أهلِ البيت، هيبةً للمشهد،
لكنَّ الحسينَ صلواتُ اللهِ عليه تقدَّم.
صعدَ على فخذَي جدِّه،
وأخذَ برأسِه إلى صدرِه،
ووضعَ ذقنَه على رأسِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله،
ثم قال له:
"يا أبه ما يبكيك؟"
إنَّه سؤالُ المحبّة،
وسؤالُ البراءة،
وسؤالُ القلبِ الذي لا يحتملُ أن يرى جدَّه باكيًا.
وهنا جاءت الإجابةُ التي حملت وجعَ التأريخ كلّه.
╭• ───── ✦ ───── •╮
مصارعُهم شتّى... ولكنَّ قبورَهم لن تُترك
حين أخبرَ النبيُّ صلى الله عليه وآله بمصارعِهم المتفرّقة،
لم يقفِ الحديثُ عند حدودِ المصيبة،
بل فتحَ الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه بابًا آخر:
"فمن يزور قبورنا ويتعاهدها على تشتتها؟"
هذا السؤالُ عجيبٌ في عمقه.
كأنَّ الحسينَ صلواتُ اللهِ عليه لا ينظرُ فقط إلى القتلِ والتفرّق،
بل ينظرُ إلى ما بعد ذلك:
إلى القبور،
إلى الزيارة،
إلى الوفاء،
إلى الذين سيأتونَ من بعد،
فيحفظونَ الصلةَ، ولا يتركونَ تلك المراقدَ موحشةً منسيّة.
فجاءت البشرى من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله:
"طوائف من أمتي يريدون بذلك بري وصلتي"
هؤلاءِ ليسوا زائرينَ فحسب،
بل أهلُ برٍّ برسولِ الله،
وأهلُ صلةٍ به،
لأنَّ مَن زارَ العترةَ الطاهرةَ صلواتُ اللهِ عليهم إنّما جاءَ وفي قلبِه وفاءٌ للنبيِّ نفسه.
══════ ✦ ══════
ماذا أعدَّ لهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله؟
أجملُ ما في الرواية، وأرقُّ ما فيها، وأعظمُ ما فيها، هذه الكلمةُ النبويّة:
"أتعاهدهم في الموقف وآخذ بأعضادهم فانجيهم من أهواله وشدائده"
أيُّ كرامةٍ هذه؟
الزائرُ الذي يخرجُ إلى قبورِهم،
ويحفظُ عهدَهم،
ويتعاهدُ مراقدَهم على تشتّتِها،
لا يُتركُ يومَ القيامة وحده.
بل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله نفسُه يتعاهدُه في الموقف،
ويأخذُ بعضدِه،
وينجيه من أهوالِ ذلك اليوم وشدائدِه.
هذا ليس ثوابًا عابرًا،
بل وعدُ نجاة،
ووعدُ رعاية،
ووعدُ اصطفاءٍ في أشدِّ المواطنِ رهبةً وفزعًا.
──── ✦ ────
في هذه الرواية ثلاثُ حقائقَ عظيمة
الأولى: أنَّ مصيبةَ العترةِ كانت حاضرةً في قلبِ النبيِّ صلى الله عليه وآله
فهو لم يُفجَعْ بهم بعد وقوع الحوادث فقط،
بل حملَ وجعَهم قبل وقوعها،
وعاشَ ألمَ مصارعِهم وهم بين يديه.
الثانية: أنَّ زيارةَ قبورِهم امتدادٌ للوفاءِ برسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله
ولهذا قال:
"يريدون بذلك بري وصلتي"
الثالثة: أنَّ زائرَهم ليس وحده يوم القيامة
بل يتعهّده النبيُّ صلى الله عليه وآله بنفسه،
ويأخذُ بعضدِه،
ويخلّصُه من أهوالِ الموقف.
〰〰〰〰〰
وقفةُ مواساةٍ ورجاء
يا رسولَ الله،
بكيناك لأنَّك نبيُّ الرحمة،
وبكيناك لأنَّك أبُ هذه المصائب كلِّها،
وبكيناك لأنَّ قلبَك حملَ قبلنا وجعَ الحسنِ والحسينِ ومصائرَ العترةِ الطاهرةِ صلواتُ اللهِ عليهم.
لكنّك مع هذا كلِّه لم تتركْ شيعتَهم في العراء،
بل بشَّرتَهم،
ووعدتَهم،
وفتحتَ لهم بابَ النجاة:
أن يتعاهدوا قبورَهم،
وأن يحفظوا وصلَهم،
وأن يكونوا من أهلِ الوفاءِ لهم،
حتى تكونَ أنتَ المتعهّدَ لهم يومَ الفزعِ الأكبر.
══════ ✦ ══════
