العودة للبحوثات

من أوَّلِ خطوةٍ إلى النجوى: أسرارُ المشيِ إلى الحسين

محرم صفر الامام الحسين كربلاء

٧ أبريل ٢٠٢٦

المشيُ إلى الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه

طريقٌ يُغفَرُ فيه الذنبُ من أوَّلِ خطوة

ليس المشيُ إلى الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه مجرّدَ انتقالٍ من مكانٍ إلى مكان، ولا مجرّدَ وسيلةٍ من وسائلِ الزيارة، بل هو عبادةٌ قائمةٌ بنفسِها، وسلوكٌ تُسكَبُ فيه الخطواتُ في ميزانِ القربِ من الله، حتّى يكونَ أوَّلُ ما يلقاهُ الزائرُ في هذا الطريق مغفرةَ الذنوب، وآخرُ ما يبلغه النجوى الإلهيّة عند قبرِ سيِّدِ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه.

══════ ✦ ══════

المشيُ أفضلُ ما يُتعبَّدُ به في هذا الباب

ورد في الرواية:

عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن علي ، عن هشام بن سالم قال : دخلنا على أبي عبد الله ( عليه السلام ) أنا وعنبسة بن مصعب وبضعة عشر رجلا من أصحابنا فقلنا : جعلنا الله فداك ، أيهما أفضل ، المشي أو الركوب ؟ فقال : ما عبد الله بشيء أفضل من المشي
📖 التهذيب

هذه الكلمةُ الشريفةُ تُعطي للمشي إلى الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه موقعَه الحقيقيّ. فالمفاضلةُ هنا ليست بين وسيلتَين عاديّتَين، وإنَّما بين مرتبتَين في الطاعة، وقد جاء الجوابُ واضحاً حاسماً: ما عُبد اللهُ بشيءٍ أفضلَ من المشي.

فالمشيُ هنا ليس تعباً بلا معنى، ولا مشقّةً خاليةً من الأثر، بل هو عبادةٌ ينعقدُ فيها الإخلاصُ مع الجهد، ويظهرُ فيها صدقُ القصد، وتنكشفُ فيها حرارةُ الولاءِ.

──── ✦ ────

أوَّلُ خطوةٍ تبدأُ بالمغفرة

وجاء في الرواية الأخرى عن إمامِنا الصادقِ صلواتُ اللهِ عليه:

عن بشير الدهان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:
ان الرجل ليخرج إلى قبر الحسين (عليه السلام)، فله إذا خرج من أهله بأول خطوة مغفرة من ذنوبه، ثم لم يزل يقدس بكل خطوة حتى يأتيه، فإذا أتاه ناجاه الله فقال: عبدي سلني أعطك، ادعني أجبك، اطلب مني أعطك، سلني حاجتك أقضيها لك، قال: وقال أبو عبد الله (عليه السلام): وحق على الله ان يعطي ما بذل .

ما أعظمَ هذا الفتح!
الزائرُ لا ينتظرُ نهايةَ الطريقِ كي تبدأَ عليه الرحمات، بل منذُ أوَّلِ خطوةٍ يخرجُ بها من أهلِه تبدأُ المغفرة. وهذا المعنى وحده كافٍ لأن يجعلَ الطريقَ إلى الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه طريقَ تطهيرٍ قبل أن يكونَ طريقَ وصول.

ثم لا يقفُ الفضلُ عند هذا الحدّ، بل لا يزالُ يُقدَّس بكلِّ خطوة حتّى يبلغَ الحائرَ الشريف. إنَّها خطواتٌ لا تُحسبُ على الأرضِ فقط، بل تُكتبُ في عالمِ الطهارةِ والتقديس.

〰〰〰〰〰

حين يصلُ الزائرُ يبدأُ مقامُ النجوى

فإذا وصلَ إلى قبرِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه، لم يكن مجرّدَ زائرٍ بلغَ مكاناً مقدّساً، بل يدخلُ في مقامٍ آخر، مقامِ النجوى:

عبدي سلني أعطك، ادعني أجبك، اطلب مني أعطك، سلني حاجتك أقضيها لك

أيُّ بابٍ هذا الذي يُفتحُ للزائر؟
إنَّه ليس بابَ زيارةٍ فحسب، بل بابُ عرضِ الحوائج، وبابُ الإجابة، وبابُ العطاء، وبابُ القربِ الذي يتجلّى فيه لطفُ اللهِ لعبدٍ بذلَ بدنَه وخطواتِه وقصدَه في طريقِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه.

ثم تأتي الكلمةُ الجامعة:

وحقٌّ على الله أن يعطي ما بذل

أي إنَّ هذا البذلَ لا يضيع، وهذا السعيَ لا يُترك، وهذه الخطواتِ ليست حركةً عابرة، بل لها عند اللهِ حسابٌ ووفاءٌ وجزاء.

╭• ───── ✦ ───── •╮

لماذا كان المشيُ بهذه العظمة؟

لأنَّ المشيَ إلى الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه يجمعُ معانيَ كثيرةً في عملٍ واحد:

  • فيه إظهارُ الولاء

  • وفيه مجاهدةُ البدن

  • وفيه صدقُ الشوق

  • وفيه مفارقةُ الراحة

  • وفيه إعلانُ الانتماءِ إلى هذا الطريق

فالراكبُ يصل، أمَّا الماشي فإنَّه يبني وصولَه خطوةً خطوة، ويجعلُ من الطريقِ نفسِه عبادةً، ومن التعبِ نفسِه قرباناً، ومن المسيرِ نفسِه خطاباً عمليّاً يقول:
يا أبا عبد الله، ما جئتُك زائراً فقط، بل جئتُك ساعياً إليك.

══════ ✦ ══════

نفحةٌ وجدانيّة

يا أبا عبد الله،
ما أعظمَ الطريقَ إليك حين يكونُ أوَّلُه مغفرة، وأوسطُه تقديساً، وآخرُه نجوى وإجابة.

طوبى لقدمٍ تمشي إليك،
وطوبى لقلبٍ لا يرى التعبَ في دربِك تعباً،
وطوبى لزائرٍ يخرجُ من أهلِه مثقلاً بالذنوب، فيرجعُ وقد غسلتْه خطواتُه في طريقِك.

──── ✦ ────

الكلمةُ الأخيرة

المشيُ إلى الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه ليس تفصيلاً صغيراً في ثقافةِ الزيارة، بل هو بابٌ خاصٌّ من أبوابِ العبادة، تُفتتحُ فيه المغفرةُ من أوّلِ خطوة، ويتتابعُ فيه التقديسُ مع كلِّ خطوة، وينتهي فيه الزائرُ إلى مقامِ الدعاءِ المستجابِ والعطاءِ الإلهي.

فهنيئاً لمن مشى،
وهنيئاً لمن بذل،
وهنيئاً لمن جعل بينه وبين الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه طريقاً من الخطواتِ التي تُكتبُ نوراً ورحمةً وقرباً.

#الحسين
#زيارة_الأربعين
#المشي_إلى_الحسين
#زائر_لكم
#من_البحر_إلى_النحر
#الثقافة_الزهرائية